كيف كانت القاهرة حينما مَنَّعَت أولاد حارتنا؟

محمد شُعير محمد شُعير

يبحث محمد شعير عن حكاية نشر رواية ``أولاد حارتنا`` لنجيب محفوظ (1911-2006).
ماذا جرى حينما نشرت في صيف العام 1959؟ كيف قرأ المصريون نصوص الرواية على صفحات الأهرام في آخر شتاء بالخمسينيات، بل كيف تلقت المدينة رواية كاتب القاهرة الأبرز؟
ولد محفوظ بالقاهرة، وعاش سنوات حياته داخل شوارعها، سجل حكايات صراع سكانها مع الوجود والسياسة والزمن.
خلال هذه الأزمة كان محفوظ رقيبًا على السينما، وترك المنصب بعدها.
حينما نشرت فصول روايته على صفحات الجريدة مصحوبة برسوم للفنان الحسين فوزي (1905-1999) صار الرقيب ضحية لرقابة مارستها المؤسسة الدينية، وهجوم شَنّه كُتّاب. كتبت تقارير سرية ونشرت تقارير أخرى توصي بعدم نشرها على مدار السنوات. جدل فَسَرَ الرواية بشكل يهدد حياة الكاتب وأمنه.
رغم الضجة الممتدة عبر السنوات لم تكن المسألة بالنسبة لمحفوظ إلا أزمة قراءة، لكن هؤلاء القراء، الرافضين لرؤية نجيب، كانوا يملكون من القوة ما يجعل نشر هذه الرواية أمرًا مستحيلًا.
يرسم صاحب ``كتابات نوبة الحراسة.. رسائل عبد الحكيم قاسم`` (ميريت، 2010) شكل المدينة في العام 1959، كيف كانت أوضاعها وفنونها كذلك ؟
يرصد في رحلته للبحث عن أسباب أزمة أولاد حارتنا فنون قضاء السهرات في ليل المدينة أواخر الخمسينيات. غنت أم كلثوم (1898-1975) للجيش من كلمات طاهر أبو فاشا ومن ألحان رياض السنباطي، ولحن الأخير في العام نفسه للسيدة ``هجرتك يمكن أنسى هواك`` من كلمات أحمد رامي. كما راجت أغنية للثلاثي المرح ``أهو جه يا ولاد``، حيث غنت كل من سهام توفيق، صفاء لطفي وسناء الباروني بمناسبة حلول شهر رمضان في هذا العام ليستمر صداها لعقود تالية.
كما عرضت دور السينما 23 فيلمًا مصريا كان من ضمنها ``بين السماء والأرض`` (صلاح أبو سيف) و``إحنا التلامذة`` (عاطف سالم)، وقد كتب محفوظ الفيلمين الأخيرين.
والآن لنتابع رحلة بحث شعير عن أولاد حارتنا مع رسوم للرسام ميجو مصحوبة بوثائق وحكايات وصور لقاهرة نهاية الخمسينيات، لنرى كيف كانت الحياة ومراكز القوى في هذه المدينة؟

كاتب يتغير

migo

رسالة غاضبة

2

كيف يقرأ المشايخ الأدب؟

3drawing

مَن منع الرواية؟

3

معركة متجددة

5

كاتب يتغير

الرسوم لميجو

 ضد أتباع جيمس دين

 

الإثنين

21 سبتمبر 1959

درجة الحرارة في القاهرة أقرب إلى البرودة، سحب خريفية تغطي الدلتا. الشيوعيون في سجون عبد الناصر، وحملات إعلامية مخططة لتشويههم. لص مجهول يسطو على “كرمة ابن هانئ” بيت الشاعر أحمد شوقي على نيل الجيزة. المسروقات عبارة عن نخلة من الذهب أهداها أمير البحرين لشوقي احتفالًا بتنصيبه أميرًا للشعر العربي، وكأس من الفضة هدية من الاتحاد النسائي برئاسة هدى شعراوي.

عناوين الجرائد الرئيسية تتحدث عن مظاهرات حاشدة في العراق ضد عبدالكريم قاسم، بعد تنفيذ أحكام الإعدام فى عدد من قادة “ثورة الشواف”. كانت جريدة “أخبار اليوم” قد قادت الهجوم الأعنف، وأطلقت على “قاسم” قبل أيام لقب “نيرون بغداد”، ونشرت نصًا تحت عنوان “الكتاب الملعون”، زاعمة أن “قاسم” يتبنى أفكار الكتاب، الذى يطعن في الدين الإسلامي، ومدعية أن الكتاب من تأليف جهات مخابراتية سوفيتيية، ثم خصصت صفحة كاملة للداعية عبدالرازق نوفل ليفند ما جاء في الكتاب من أفكار.

على المستوي الدولي اهتمت الجرائد بأول زيارة لزعيم سوفييتي إلى الولايات المتحدة، حيث ألقي نيكيتا خروتشوف خطابًا في الأمم المتحدة، طالب فيه “بإلغاء الجيوش من كل دول العالم وإلغاء وزارات الدفاع والكليات العسكرية، والاكتفاء فقط بمجموعات صغيرة لحفظ الأمن الداخلي”. كما تواصل “الأهرام” اهتمامها الذى بدأ قبل أسبوعين بتغطية وصول الصاروخ الروسي إلى القمر، مدشنًا بذلك عصرًا جديدًا من العلم والمعرفة.

عدد من الجرائد تواصل حملتها ضد من اسمتهم “أتباع جيمس دين”. وهم مجموعة صغيرة من الشباب المصري المعجب بالممثل الأمريكي (1931 – 1955) الذي أصبح سريعًا جدًا – وقبل أن يكمل عامه الرابع والعشرين نجمًا عالميًا، وجعله أداؤه لشخصية “جيم ستارك” في فيلم “متمرد بلا قضية” 1955، أيقونة للشباب، وأفضى عليه مصرعه الفاجع فى حادث سير هالة أسطورية، فراح هؤلاء الشباب يقلدونه فى مظهره وملابسه. الحملة تتهم الشباب بالتمرد على جيل الآباء، وممارسة رقصة مستهترة تسمي”تشا تشا”، وتدخين السجائر وإطلاق شعرهم بلا تهذيب.

جيمس دين(1931-1955)James Dean

وصم خطباء مساجد هؤلاء الشباب بالفساد والانحلال، كما طالب صحفيون وسياسيون بتجنيدهم فى الجيش لتهذيبهم وتعليمهم الرجولة. لقى كل هذا الضجيج صدى لدى عبدالحكيم عامر فتقدم للتصدي لهذه الظاهرة، موجهًا – باعتباره وزيرًا للحربية – رجال من البوليس الحربي باستيقاف وحلق شعر رأس كل من يجدونه فى الأماكن العامة يرقص “تشا تشا” أو يغني أغنية عبد الحليم حافظ “أبو عيون جريئة”.

نشرت الجرائد صورًا لجمال عبدالناصر وبصحبته عبد الحكيم عامر يطلان لتحية الجماهير من نافذة قطار كانا يستقلانه عائدين من مدينة رشيد إلى القاهرة، وكان عبدالناصر قد ألقى قبل يومين خطابًا في “رشيد” ضمن الاحتفال بذكرى انتصارات المدينة على الجيش البريطاني (1807)، العناوين تركز على تصفية الإقطاع وتوزيع قطع من الأراضي الزراعية على الفلاحين، وإطلاق “مشروع ناصر لتمليك الماشية للفلاحين”.

في القاهرة، كان المسرح القومي يقدم “العشرة الطيبة”، وفرقة الريحاني تقدم “حكاية كل يوم”، وسلسلة “كتابي” تصدر ترجمة عربية لرواية باسترناك “دكتور زيفاجو” في جزءين، وسلسلة مكتبة الفنون الدرامية تصدر ترجمة لمسرحية تينسي وليامز “قطة على صفيح ساخن”، ورياض السنباطي انتهي من تلحين “الحب كده” التي ستفتتح بها أم كلثوم موسمها الغنائي، وأحمد بهاء الدين يكتب من استوكهولم عن مسرحية سارتر”سجناء التونا”. المسرحية التي “تهز أوروبا كلها”، ويعدها “أخطر عمل فني منذ نهاية الحرب العالمية”. في جريدة “الأخبار” يحاور ناصر الدين النشاشيبي البروفيسور “ستن فريبرج” عضو مجلس إدارة جائزة نوبل الذي يعلن أن: “الجامعات العربية مسئولة عن عدم ترشيح أي عربي لجائزة نوبل”. دور السينما كاملة العدد، أفيشات الأفلام الجديدة تحتل مساحة كبيرة من إعلانات الصحف، يمكن أن نرصد في ذلك اليوم أكثر من 15 فيلمًا أجنبيًا من بينهم “حسناء النهر” لصوفيا لورين، ” ذو الوجه الأصفر” لبوب هوب وجين رسل، “أعظم مغامرات طرزان”، ونفس العدد تقريبًا للأفلام المصرية، منها “عاشت للحب” لزبيدة ثروت، “الحب الأخير” لهند رستم وأحمد مظهر، “البوليس السري” لإسماعيل يس، وفيلمين شارك فى كتابة السيناريو لهما نجيب محفوظ، هما “إحنا التلامذة” من إخراج عاطف سالم، و”بين السماء والأرض” من إخراج صلاح أبو سيف.

الواقع يتداخل فنيًا وفكريًا وسياسيًا. دعاية أحدث أفلام محفوظ تدعو لتهذيب أتباع جيمس دين

عهد جديد للأدب

 

في صفحتها العاشرة، بدأت جريدة “الأهرام” نشر أول حلقة من رواية نجيب محفوظ الجديدة “أولاد حارتنا”، وجاء في الصفحة الأولى للجريدة: “اتفقت الأهرام مع نجيب محفوظ كاتب القصة الكبير على أن ينشر له تباعًا قصته الجديدة الطويلة. إن نجيب محفوظ هو الكاتب الذي استطاع أن يصوّر الحياة المصرية تصوير فنان مقتدر مبدع، ولذلك فإن قصصه كانت حدثًا أدبيًا بارزًا في تاريخ النهضة الفكرية في السنوات الأخيرة. لقد وقع الأهرام مع نجيب محفوظ عقدًا يصبح للأهرام بمقتضاه حق النشر الصحفي لقصته الجديدة مقابل ألف جنيهًا. الأهرام لا يذكر هذا الرقم – وهو أكبر مبلغ دفع في الصحافة العربية لقصة واحدة – تفاخرًا أو إدعاءً، وإنما يذكره ليسجل بدء عهد جديد في تقدير الإنتاج الأدبي”.

الواقع يبدو متداخلًا فنيًا وفكريًا وسياسيًا، محفوظ يكتب سيناريو “إحنا التلامذة” عن قصة لتوفيق صالح، وكامل يوسف، ودعاية الفيلم الذي قام ببطولته عمر الشريف، وشكري سرحان، ويوسف فخر الدين مع تحية كاريوكا، ركزت على اعتباره “فيلم كل شاب وكل فتاة، كل أب وكل أم، كل أسرة وكل بيت. يحارب الميوعة ويدعو للقوة والبناء”. وهي العبارة التي كتبت بخط واضح على “أفيش” الفيلم، وبدت كأنها امتداد لحملة تهذيب “أتباع جيمس دين”. العارفون بمحفوظ وتقاليد السينما يرجحون أن العبارة لا تخص محفوظ، بقدر ما تخص المنتج حلمي رفلة، الذي تحدث عن الفيلم في مجلة “الجيل” باعتباره جزءًا من رسالة ” ضد أشباه جيمس دين بعد أن تعددت مظاهر ميوعتهم وكثرت حوادث انحرافهم، ما أدى إلى تدخل بوليس الآداب، وبعد أن دفعهم الحرمان إلى طريق الألم. طريق الشر”. رفلة قال إنه اختار نجيب محفوظ لكتابة السيناريو لأنه “عُرف بعمق دراسته، وقوة تصوّيره للشخصيات وبراعته في التعبير عن احاسيسها وانفعالاتها”. الفيلم الثاني الذي عرض متزامنًا مع نشر “أولاد حارتنا” هو”بين السماء والأرض” من إخراج صلاح أبوسيف، عن قصة لمحفوظ، وشارك أبو سيف في كتابة السيناريو، الذي يمثل نقلة في سينما محفوظ من الواقعية إلى الانفتاح على الرمز، كما في “أولاد حارتنا” التي تخلي فيها عن “الواقعية الصريحة” التي بلغت ذروتها في “الثلاثية”. يطرح الفيلم أسئلة فلسفية معلقة لا يمكن الوصول إلى إجاباتها، ربما مثل أبطال الفيلم العالقين بين السماء والأرض. بصمات محفوظ واضحة بقوة كسيناريست يبدع في البحث عن حلول فنية لمحدودية المكان (أحداث الفيلم تدور داخل مصعد) وهي معضلة فنية نجح محفوظ، كروائي، في تخطيها، بل والاجادة فيها سواء في” زقاق المدق” الرواية التي تدور أحداثها في حارة ضيقة أو فيما بعد في “ثرثرة فوق النيل” التي تدور أغلب أحداثها في عوامة على النيل. بخلاف المكان المحدود الذي تخرج منه عوالم نابضة بالحياة، يثير محفوظ طوال الفيلم أسئلة فلسفية عن الحدود بين الواقع والخيال، عن الخطيئة. الموت، الحياة، العقل، والجنون. شخصيات الفيلم في المكان المغلق المحدود تمثل ربما أطيافًا من المجتمع بتنوعهم وبتناقضاتهم: فهناك الارستقراطي (الأكثر رقة)، المجنون (الأكثر عقلًا في المكان)، الفنانة التي تستعد لتصوير فيلمها الجديد، اللص الصغير، والآخر الكبير، البواب، المرأة الحامل التي تلد في نفس اللحظة التي يموت فيها مختنقًا عجوز مريض، الزوجة الخائنة، والمتحرش.

خارج المصعد ـ أي خارج الأحداث- عوالم أخرى، لكنها ليست منفصلة عما يدور داخل المصعد. ربما كان أهمها مشاهد الفيلم الذي يتم تصويرها (داخل الفيلم الأصلي)، حيث ينتظر المخرج بطلة فيلمه لتصوير مشاهدها. ومن ضمن هذه المشاهد رجال أمن يؤدون دورهم، وتتصور العصابة التي ستسرق إحدى الشقق أنهم رجال أمن حقيقيون، وتبدأ معركة غير متكافئة. يصرخ المخرج:”دي سينما يا بني آدم مش لعبة. افهموها بقي”، بينما ينهال عليهم الرصاص الحقيقي، الذي لم يكن متفقًا عليه. ما الفرق بين الواقع والخيال؟ بين الواقع والسينما؟ ربما كان هذا هو سؤال الفن الرئيسي.

ربما أيضًا كانت رسالة أبوسيف ومحفوظ وتصورهما للفن. لا يبقى الحال على ما هو عليه، يتمّ إنقاذ الجميع، بعد أن يكونوا قد اقتربوا من الموت، قربًا يدفعهم لمراجعة سلوكهم وخططهم السابقة والتفكير فى “التوبة”، و”الاستقامة”، لكن أحداث الفيلم تنتهي بعودة الغالبية العظمى إلى طريقها السابق، وكأن “الرسالة” أن الاقتراب من الموت لا يغير كثيرًا في الأشخاص.

نهاية الفيلم، واحدة من أجمل النهايات في السينما المصرية. هند رستم بطلة الفيلم الذي يتم تصويره داخل الفيلم تقول للمخرج:”دي القصة اللي تستاهل إننا نعملها فيلم مش القصة اللي بنعملها”. المخرج (داخل الفيلم) يرد عليها: بس دا فيلم اتعمل وأنا شفته وكان بطولة هند رستم. وإخراج أبو سيف.. أي أننا نجد أنفسنا أمام لعبة فنية من ألعاب محفوظ وأبوسيف، لكنها لا تخلو من الرسالة السياسية، حيث يحلمان بذوبان الطبقات. المدهش أن الفيلم عندما عرض للمرة الأولى لم يلق ترحيبًا من النقاد، هاجمه تقريبًا كل الصحفيين بحجة أن تجربة الموت تجربة”جد” لا تستحق الهزل كما فعل بها أبوسيف ومحفوظ أو أن”المخرج والمؤلف صَبَا ماءً ساقعًا على رؤوس المتفرجين”حسب تعبير موسى صبري في مقالته النقدية عن الفيلم. ألم يدرك النقاد وقتها أن` أبوسيف ومحفوظ كلاهما كان يلاعب الموت!

في دور العرض: بين السماء والأرض

أمنية محفوظ تتحقق

 

فلاش باك:

21 ديسمبر- 1957 :

في مجلة الإذاعة حاور عبد التواب عبد الحي نجيب محفوظ.. كتب فى مقدمة الحوار: “رجاني نجيب محفوظ أن أنشر له إعلانًا على الناس وأقول: ” إن كاتب الواقعية مَلّ الواقعية. زهق من آلام الناس ومظاهر حياتهم المباشرة، ولم يعد هناك جديد يكتبه عنهم، وعندما يكتب مرة أخرى سوف يكتب بطريقة جديدة لم تتحدد معالمها في ذهنه حتى الآن، وإلا سوف يهجر الأدب إلى الأبد”.

27 مارس 1958:

نشرت مجلة “صباح الخير” خبرًا عن خطط نجيب محفوظ المستقبلية حيث ينشغل: “في لون جديد من الخلق الأدبي. يبحث فيه عن ينابيع جديدة غير زقاق المدق، خان الخليلى، والسكرية، وشخصيات جديدة غير الأفندية والأسطوات التي تَعَوّد أن يعرضها في قصصه، ومشكلة هذا التجديد الأدبي أنه يحتاج إلى تجديد مماثل في حياة الأديب. يحتاج إلى أسفار واكتشافات إنسانية خارج حدود المقهى ومكتب مصلحة الفنون والمنزل، فهل يتخطى نجيب هذه الحدود في سبيل تجربة أدبية جديدة. وكيف ومَن الذي يمول هذه المعركة التي يحفر فيها الأديب أبارًا جديدة في دماغه. ومَن يدفع له التكاليف؟

11 فبراير 1959:

الأهرام تسأل المدير الجديد لمصلحة الرقابة على المصنفات الفنية الأديب نجيب محفوظ: ما أمنيتك؟ يجيب: “أمنيتي أن أواصل كتابة رواية “أولاد حارتنا” التي بدأتُ فيها”. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها محفوظ للصحافة عن روايته التي لا يزال يكتبها، وقبل نشرها بسبعة أشهر كاملة، وبالعنوان نفسه الذي نشرت به. أضاف محفوظ في حواره مع الأهرام:” إن هناك أزمة في المجتمع المصري، هي أزمة ثقافة”، وانتقد السينما معتبرًا أنها تسير “بالاجتهاد”. بعد خمسة أشهر من هذا الحوار تحدث محفوظ إلى جريدة “الجمهورية “عن أمنية أخرى له، تمني أن توافق عليها الدولة هي “إحالة الأدباء إلى المعاش في سن الخمسين حتى يتفرغوا للكتابة”. وتحدث أيضًا عن رغبته في أن تقوم الدولة بتنظيم رحلات للأدباء والفنانين ليعرفوا بلادهم، فهو لا يعرف شيئًا عن أسوان أو الأقصر. لم يخرج من القاهرة إلا إلى الإسكندرية ورأس البر. بعد أيام من هذا الحوار سافر محفوظ إلى يوغسلافيا. كانت رحلته الأولى إلى خارج مصر، ليقضي هناك خمسة عشر يومًا ويعود قبل نشر “أولاد حارتنا” بشهر، وينشر في “الأهرام” انطباعاته عن الزيارة.

 

20 مارس 1959:

سأل محرر مجلة “الجيل” نجيب محفوظ”:

• ما هو آخر عمل أدبي تقوم به الآن؟

• قصة اسمها ” أولاد حارتنا” بدأتها فى أكتوبر 1958، وكتبت منها حتى الآن 150 صفحة فولسكاب وستكون القصة فى حوالى 300 صفحة.

• وما موضوع القصة؟

• أرجوك أعفني من هذا السؤال

• بلاش موضوعها.. ولكن ما هو نوعها؟

• ولا هذا..إنها قصة من نوع جديد، لم أكتب مثله من قبل، لذلك أنا متهيب جدا، متهيب جدا!

6 إبريل 1959:

أجرت مجلة ” الجيل” تحقيقًا بعنوان: “دعوتي ليلة القدر”، سألت فيه فنانين ومثقفين وسياسيين ورياضيين عن دعوتهم ليلة القدر. قال نجيب محفوظ فى التحقيق:” سأقول: يارب ساعدني على إتمام رواية” أولاد حارتنا” التي بدأتها فى أكتوبر الماضى. يارب يتم الاتفاق على منع الأسلحة الذرية حتى نعيش لنحقق أمانينا لوطننا ولأنفسنا. يارب تنتهى حرب الجزائر بانتصار العرب”.

1 أغسطس 1959:

سألت مجلة “العربي” الكويتية محفوظ: ماذا تكتب الآن؟ أجاب: سيناريو فيلم صلاح الدين الأيوبي، وقصتي المقبلة التي اسميها ” أولاد حارتنا”. محفوظ قال في حوار ” العربي”: ” لا حياء في الأدب. كما لا حياء في الدين” وهي الجملة التى تم اختيارها عنوانًا للحوار.

إجابات محفوظ في كل الحوارات التي سبقت نشر الرواية تقول أنه دفع بالرواية للنشر مباشرة بعد الانتهاء منها، وليس صحيحًا أنها ظلت عامين كاملين في درج مكتبه. إذ تبدأ السنة المحفوظية في الكتابة من سبتمبر إلى أبريل، ثم يتوقف لمدة أربعة أشهر في الصيف بسبب مرض الحساسية في العينين، الذي أصيب به عندما كان طالبًا في الجامعة، وهو ما يعني أن محفوظ انتهي من كتابة الرواية في أبريل من نفس العام قبل إجازة “التأمل والتفكير والراحة”؛ كما يسميها.

2 مايو 1959:

نشرت مجلة “الإذاعة” التي يرأس تحريرها حلمي سلام، هذا التنويه في باب “أدب وأدباء”: يسر مجلة “الإذاعة” أن تعلن قراءها أنها قد اتفقت مع نجيب محفوظ على أن ينشر بها روايته الجديدة ” أولاد حارتنا”. وستبدأ المجلة نشر حلقاتها عقب انتهاء أشهر الصيف”. لكن “الإذاعة” لم تنشر الرواية كما أعلنت، فقد ذهبت “أولاد حارتنا” إلى “الأهرام”، وأصبح السؤال: كيف وصلت “أولاد حارتنا” إلى الأهرام؟

مَخْرَج هيكل 

 

لدينا إجابات متعددة وحكايات كثيرة. منها ما حكاه محفوظ نفسه، ومنها ما حكاه محمد حسنين هيكل. الاختلافات بين الروايات بسيطة، قد لا تغير الشيء الكثير. وصلت “أولاد حارتنا” إلى “الأهرام” عن طريق مدير تحريرها علي حمدي الجمال، وفي رواية أخرى عن طريق توفيق الحكيم، وفي رواية ثالثة عن طريق إحسان عبدالقدوس.

فى لقاء مع الأستاذ هيكل (في مكتبه) سألته عن التفاصيل. أجاب: “وصلت الرواية إلى علي حمدي الجمال، الذي شَعَرَ بالقلق، وعطل نشرها دون أن يخبرني بأمرها، ويبدو أن نجيب محفوظ اشتكى لحسين فوزى الذي أخبرنى بأمر الرواية، وقلت لحسين فوزي: لا نستطيع أن نحجب عملًا لمحفوظ مهما كان ناقدًا وحادًا، وخاصة أننا جرينا وراه ليكتب في الأهرام ووسطنا توفيق الحكيم أكثر من مرة، ولكن محفوظ طلب الانتظار لحين يحال إلى التقاعد”. يواصل هيكل: ” طلبت “الجمال” ليحضرها لي على الفور، أخذتها معي إلى المنزل وقررت نشرها على الفور وبشكل يومي لا كما كان يحدث من قبل بأن تنشر الأعمال الأدبية بشكل أسبوعي، وهذا القرار اتخذته لسببين: الأول، أن حجم الرواية كبير، ونشرها أسبوعيًا قد يستغرق ما يقرب من عام كامل وهي فترة طويلة؛ قد تتيح لمن يريد أن يستغل الرواية دينيًا أن يوقف نشرها، وثانيًا، لأنني أدركت رسالة الرواية وخطورتها”.

فى البداية، مَرّ نشر الرواية بهدوء شديد، لكن عقب نشر الحلقة السابعة عشرة بدأت شكاوى وبلاغات عديدة ضد الرواية وتطالب تحرّك الأزهر لوقف النشر، فسأل عبدالناصر هيكل عن الحكاية، فأوضح له ملابساتها، مختتمًا:” رواية كتبها نجيب محفوظ لا بد من نشرها، حتى آخر كلمة”، فقبل عبدالناصر استكمال النشر، لكن مع تزايد صخب الشكاوى عاود عبدالناصر مناقشة الأمر مع هيكل الذي أنهاه بقوله: “خليهم يعملوا لجنة من رجال الأزهر ويفحصوا الرواية”. يوضح هيكل لي مَخْرَجُه الغريب هذا قائلًا:” أردتُ أن أكسب وقتًا لاستكمال ما تبقى من الرواية، وقد جاء قرار اللجنة بمنع النشر، وكان ذلك قبل عشرة أيام من انتهاء النشر، لكن النشر استمر حتى نهاية الرواية، وقد حرصت على أن أختم الحلقة الاخيرة بعبارة: “انتهت الرواية”.

ويبدو أن هيكل استشعر مبكرًا مع بداية نشر الرواية، ما ستجره عليه من تداعيات، كان من بينها هجومًا عنيفًا على الرواية طال فى جانب منه “الأهرام”، كان أحد الدوافع التي حدت به إلى أن يكتب، بعد أسبوع واحد من بدء نشر “أولاد حارتنا”، مقالًا قصيرًا فى الصفحة السادسة بالأهرام بعنوان “حرية التعبير”، كان أشبه ببداية “هجوم مضاد” أظهر فيه دفاعًا حارًا عن حرية الأدباء والكُتّاب، وزاد هيكل جهده في “المعركة” الناشبة بإتاحة مساحات داخل صفحات “الأهرام” لمقالات ورسائل القراء تتحدث عن مشكلات المجتمع وتنتقد النظام، بلطف.

كان لافتًا فى المقال القصير تأكيد هيكل على أن: “من أهم المشاكل التي تواجهنا اليوم، مشكلة حرية الرأي، بل إنها أكبر كثيرًا من الحد المفهوم من وصف “مشكلة”. ذلك أنه في هذه المرحلة من تاريخ تطورنا، السياسي والاجتماعي والفكري لابد أن يبرز الرأي الحر ليكون المقدمة الحقيقية للركب وهو يسير، والدليل الأمين للقافلة وهي تسعى إلى المستقبل. لكن الرأي الحر في بلادنا لا يمارس الآن هذا الدور الخطير. لعدة أسباب: أسباب عامة تتصل بظروف الحياة. وأسباب خاصة متصلة بأدوات التعبير عن الرأي ووسائله. من الأسباب العامة مثلًا: أنه فى ظروف الحياة السريعة التي نعيشها الآن، طغى الخبر على الرأي وغطت الحادثة على الفكرة. ومن الأسباب الخاصة المتصلة بأدوات التعبير، أن الصحافة وهي أول هذه الأدوات تعيش تحت رقابة قاسية! والمحنة الحقيقية أن هذه الرقابة ليست فرضًا على الصحافة من الخارج، وإنما هي قيد من الداخـل. والأسباب كثيرة: أولها – أن صحافتنا، في كثير من الأحيان، لم تستطع أن تتحوّل بعد، عن كونها صحافة شخصية، ومن هنا فإن تعبيرها عن “الرأي الخاص” لأصحابها ومحرريها، أشد ظهورًا من تعبيرها عن “الرأي العام” لمجتمع بأكمله على اختلاف طبقاته. ثانيهما – أن صحافتنا، حين أعوزها إيمانها الأصيل بغايات محددة ووسائل إلى هذه الغايات، تركت رسالة التوجيه، واقتصرت على “المسايرة”، “مسايرة” الحوادث على علاتها، و”مسايرة” التطورات كما تجيء”.

وأضاف هيكل: ” من هنا، وهذه حقيقة، فرضت الصحافة على نفسها ما لم يفرضه عليها غيرها أخذًا بالأحوط والأسهل، وإيثارًا للعافية والسلامة. وثمة من يتصورون أن هناك رقابة من الدولة على الصحف، تقيد أيديها، وتعجز أقلامها. وليست تلك هى الحقيقة لحسن الحظ. وما من شك أن هناك قيودًا على نشر التحركات العسكرية مثلًا، وعلى بعض المسائل المتصلة بأمن الدولة الخارجي، لكنه فيما عدا ذلك ليس هناك من يفرض علينا السكوت. إن الحقيقة – أننا – نحن الصحافة – سكتنا حين زحمتنا الحوادث فلم نجد لنا فى وسطها رأيًا، وحين بقينا على هامش التطورات نسايرها. ولا نغوص فى أعماقها بحثًا عن الإيمان، نجاهر به، ونقاتل دفاعًا عنه. على أنه ينبغي أن يكون هناك مفهوم لحرية الرأي. إن حرية الرأي ليست العناوين الثائرة الغاضبة على شخص بعينه، وليست الحملات المنطلقة فى ضراوة ووحشية تبحث عن كبش فداء. إن حرية الرأي، هي حرية المناقشة. إن الفكر المتحرر داخل العقل مقدمة. وانطلاق هذا الفكر حديثًا ناطقًا على اللسان، أو حديثًا صامتًا على الورق نتيجة. وبغير المقدمات لا يمكن الوصول إلى النتائج، وبغير النتائج لا تصبح للمقدمات فائدة. هذا فهمنا لحرية الرأي. ومن أجل هذا الفهم، وفى سبيله، هذه المحاولة التي يقوم بها الأهرام اليوم”.

لم يحذف هيكل بنفسه من الرواية حرفًا واحدًا. ونفى بصورة قاطعة أن يكون قد طلب من محفوظ القيام بذلك، مؤكدًا عدم صحة ما أوردته الباحثة السويدية مارينا ستاغ في كتابها “حدود حرية التعبير” عن بعض وقائع الأزمة، وتأكيدها أن هيكل طالب محفوظ بممارسة دور الرقيب على نفسه بحذف فقرات عديدة منها يمكن أن تزيد المحتجين احتجاجًا.

واكَب نشر الراوية إعلان الأهرام عن بداية عهد جديد من تقدير الفن والإبداع.. وهذا ما حدث فعلًا

دور الرسم في الرواية

اختار هيكل رسومات الحسين فوزي ( 1905 – 1999 ) لتصاحب الرواية أثناء نشرها في الأهرام. حكى فوزي في جريدة الأهالى (1989) حكايته مع الرواية: “عندما جاءتني رواية ” أولاد حارتنا” كنتُ مريضًا بالحمى، ومع هذا خرجت من منزلي بالجيزة متوجهًا إلى جريدة الأهرام لمقابلة رئيس التحرير محمد حسنين هيكل، وهناك تبادلتُ معه الرأي وأخذت الفكرة. بدأتُ بقراءة الرواية وفهمها، ووجدتها رواية حية، قوية ألهمتني الصور، ثم قالب هذه الصور كما نشرتْ. الرواية لا ينطبق عليها ما أشاعه رجال الدين بعد ذلك من أنها تمس الأديان والرسل، الأمر الذي أدى إلى تعكير الجو حول الرواية، فلم يتح لها أن تحقق الدور الذي أراده لها مؤلفها، بما تحمل من المعاني والأهداف العميقة. وأعترف أن الرواية، بمواقفها الرائعة ووصفها الجميل، أعطتني الفرصة لكي أقوم بدوري نحوها كفنان يخرج برسومه إلى مجال التعبير والتفسير، وعندما بدأت أنهض بهذا الدور في الصحافة المصرية توقفت الرواية. كان كثير من القراء من طلبتي فى كليات الفنون الجميلة يقولون لي أثناء نشرها أنهم يحتفظون بالرواية من أجل رسومها. كما دفعت رسومها بعض من كان يجمعها من طلبة المرحلة الثانوية إلى دخول كليات الفنون الجميلة”. الصحفى نبيل فرج سأل فوزي: كيف تنظر الآن إلى هذه التجربة التي إلتقت فيها ريشة الفنان بقلم الروائي؟ أجاب: “أوجد هذا اللقاء حركة في الفن، جعلت من الرسوم الصحفية قيمة تثري العمل الفني وتجعله يتكلم ببيان واضح”!

رسالة غاضبة

صالح جودت يتدخل 

عريضة الاتهام التي يصوغها محفوظ ليست دقيقة فيما يتعلق: بأين، ومَن، ومتى بدأ الهجوم. قد يكون “صالح”  أو”وهبه” قد شاركا فى المعركة، لكن ليس في “الجمهورية” وليس في ذلك الوقت، إنما المؤكد أن أول هجوم على الرواية كان في مجلة “المصور”، في رسالة أرسلها قارئ يدعى “محمد أمين” إلى الشاعر صالح جودت محرر باب “أدب وفن” في 18 ديسمبر 1959 أي قبل اكتمال نشر الرواية بأسبوع كامل.

القارئ اختار جودت- حسبما ذكر في رسالته المنشورة- لأنه “من القلائل الذين لم يدخلوا سوق النفاق”. واعتبر أن محفوظ في روايته الجديدة: ” يحيد ويجانب كل أصول القصة، فكتابته الأخيرة لا هي رمزية ولا هي واقعية، ولا هي خيال، ولا تنطبق على أي قالب معروف”. وأضاف: ” جاء محفوظ ليتحدي معتقدات راسخة، ولهذا يتعذر على كائن من كان حتى ولو محفوظ نفسه أن يقدمها بمجرد كتابة قصة. التستر وراء الرموز أضعف قضية نجيب محفوظ في مجتمع يجل الدين بطبيعته”. جودت رد على صاحب الرسالة: “لا أستطيع أن أحكم على القصة الأخيرة لمحفوظ، الذي لا شك في أنه يعد قصاص الطليعة عندنا اليوم، فإذا كان قد نحا في قصته الجديدة نحوًا جديدًا غير ما تعودناه في روائعه السابقة، فالحكم في ذلك لمن قرءوا القصة”، ويضيف: “الباب مفتوح لرسائل القراء الذين قرأوا قصة محفوظ”.

لم تهاجم “الجمهورية” الرواية – على عكس ما حكى محفوظ- بل كان يوسف السباعي من أوائل المدافعين عن محفوظ عندما نشر مقالًا في يومياته بعنوان “نجيب محفوظ ولَوْم القراء” في 28 ديسمبر؛ أى بعد عشرة أيام من هجوم “المصور”.

صالح جودت (1912-1976)

لم يكن في نية السباعي أن يعلق – كما قال- على رسالة جودت لولا أنه سمع “أن بعض الجهات ترى وقف نشر القصة. فأحسست أن المسألة أكثر من مجرد رسالة قارئ وأن تفكيرنا يجب أن يكون أوسع وصدرنا يجب أن يكون أكثر رحابة. فالقصة لم تكتمل بعد، ولم نعرف ما يهدف إليه الكاتب من أحداث القصة وشخصياتها. ونحن بإبداء الآراء الحانقة إنما نتعجل الحكم على شيء لم تكتمل بعد أركانه”.

لم يوضح السباعى في مقاله طبيعة الجهات التي تضغط لوقف الرواية، لكنه يذكر مبرراتها ويفنده:

” سأفترض ما يفترضه القراء الحانقون على نجيب وهو أنه قد صوّر البشرية بالحارة وأنه يروى تاريخ البشرية في تاريخ الحارة. وأنه يرمز بشخصيات القصة إلى بعض الشخصيات البارزة في تاريخ البشرية ومن بينهم الرسل. ولقد أثارت محاولاتهم إجراء عملية تطابق بين الشخصيات التي يرمز بها نجيب إلى الرسل، وبين الرسل أنفسهم، وهي عملية في ذاتها لا تخلو من التجنى لأن الرمز لا يمكن أبدا أن يطابق في كل حذافيره الأصل وإلا لما كان هناك داع للرمز(…) هل يمكن أن يبلغ بنا ضيق الأفق أن نطلب من نجيب محفوظ أن يجعل رموزه من أبناء الحارة يطابقون الرسل في كل ملامحهم وأفعالهم. أم يجب أن يكون لهم ما لبقية أهل الحارة من سمات كما تركنا للأسد والنسر سماتهما الحيوانية. وإذا طلبنا من نجيب ذلك. فلماذا لا يوفر على نفسه كتابة القصة ويوفر الرموز ويروي لنا سيرة الرسل كما أنزلت في الكتب السماوية وكما رواها التاريخ”.

وبعد صمت لأيام استعاد صالح جودت زمام المبادرة بنشره، على مدى أكثر من ستة أسابيع، رسائل للقراء في “المصور” تتضمن تعليقات مادحة أحيانًا، وعنيفة ضد محفوظ وروايته أحيانًا أخرى. ثم كتب ردًا على مقال السباعي مدفوعًا حسبما ذكر بأن صديق له سأله: هل هناك ناقد اسمه محمد أمين، أم أنك أردت أن تنتقد محفوظ من وراء ستارة اسمها محمد أمين؟

وأجاب: ترددت فى الإجابة على هذا الصديق لأنني لم أحس في يوم من الأيام أن الشجاعة تنقصني لأنتقد أحدًا مهما تكن صلتي به، ومهما تكن مكانته عند الناس، متى رأيت أنه يستحق النقد. رحت أقلب في الأوراق المتراكمة فوق مكتبي حتى ظفرت برسالة محمد أمين، فبحثت عن عنوانه، فلم أجد شيئا غير كلمتي ” شبين الكوم”.. وأقول لكم الحق، لم تكفني هاتين الكلمتين، وداخلني شيئًا من الشك فى حقيقة وجود محمد أمين ولم استبعد أن يكون واحدًا من خصوم نجيب محفوظ قد كتب هذه الرسالة واخترع هذا الاسم وأضاف هاتين الكلمتين”!

لم يدم شك جودت طويلًا، إذ فؤجيء- كما يكتب- برسالة أخرى من محمد أمين تثبت وجوده وتثبت عنوانه الكامل (3 ش عبد العزيز حبيب- شبين الكوم)، ومع الرسالة ” صورة طبق الأصل وجهها أمين إلى يوسف السباعي يرد فيه على ما كتبه بالجمهورية”. كتب أمين للسباعي في نهاية رسالته (نقلًا عن جودت) :” هذه وجهة نظر فلاح، فهل لي أن أسمع ردك عليها بشرط أن تنس لبضع لحظات أن نجيب محفوظ صديقك، وأنك تتعامل مع نكرة من الأرياف، وصفته في ساعة غضب بالخمول”. بناء على محتوى الرسالة يقترح جودت أن يتبنى السباعي بوصفه أمينًا للمجلس الأعلى للفنون والآداب مباردة للكشف عن المواهب الضائعة فى أعماق الريف”. مبادرة جودت لقيت ترحيبًا من “أدباء الأقاليم”، وهو ما تبدّى في رسائل القراء التي نشرها للإشادة بها، ليختتم الحملة بالإشارة إلى أن يوسف السباعي اعتذر لأمين عن لفظ ” الخاملين” الذي وصفه به في مقاله، معتبرًا أن الكلمة ” غلطة مطبعية وكثيرا ما تظلمنا المطابع”!

لم تكن مقالة السباعى هي الوحيدة في “الجمهورية” عن محفوظ، سبقتها أخبار قصيرة عن “عودة شلة الحرافيش إلى الكتابة”، وأخبارًا أخرى عن رواية نجيب محفوظ السينمائية الجديدة “بين السماء والأرض”. وكانت” الجمهورية” تنشر في ذلك الوقت رواية ” البيضاء” ليوسف إدريس، وهي الرواية التي ينتقد فيها بعنف التنظيمات الشيوعية المصرية، بدأ النشر بعد 12 يومًا من نشر محفوظ ” أولاد حارتنا”. وقد نقلت مارينا ستاغ عن يوسف إدريس قوله إنه نشر “البيضاء” في”الجمهورية” بتشجيع من صلاح سالم، أحد ضباط ثورة يوليو. وكان مشرفًا على “الجمهورية” في ذلك الوقت، رغبة منه في منافسة “الأهرام” في نشر رواية مسلسلة لكاتب كبير، إذن من المؤكد أن نشر “البيضاء” كان لهذا السبب، وكانت المفارقة أن إدريس المحسوب على اليسار يهاجم الشيوعين في “الجمهورية” بينما كانوا يقبعون في سجون النظام. لكن لم تحقق رواية إدريس أي متابعة نقدية جادة في ذلك الوقت، ولاحظ سليمان فياض في مقال له نشر فى مجلة “الشهر” ( فبراير، 1960) التي كان يرأس تحريرها سعد الدين وهبة، المفارقة بين الضجة التي أحدثها نشر رواية “أولاد حارتنا” والتجاهل التام لنشر رواية ” البيضاء” ليوسف إدريس في جريدة ” الجمهورية”، رغم تزامن نشرهما. وعلل ذلك بأن: ” نجيب محفوظ لم ينشر روايته في الأهرام إلا بعد أن كتب آخر سطر فيها وآخر كلمة، أما يوسف إدريس فقد أقدم على نشر روايته، كما يقولون، قبل أن يكتب فيها سوى صفحات معدودة، وبينما كانت عملية النشر اليومية مستمرة، كان يوسف يكتب صفحات من روايته يقذف بها إلى عجلات المطبعة يومًا بيوم، وربما لهذا السبب لم تترك “البيضاء” أثرًا ولك تثر ضجة ، كتلك التي أحدثتها متابعة القراء وبعض النقاد لرواية ” أولاد حارتنا”.

قبل ذلك، كان يوسف إدريس قد سأل محمد حسنين هيكل فى حوار أجراه معه فى “الجمهورية” (30 يناير1960) عن رأيه فى تجربة نشر قصص مسلسلة فى الجرائد اليومية؟ فأجابه هيكل: تجربة ناجحة تماما، بدليل أننا نشرنا “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ”. فأردف أدريس بسؤال آخر: وما رأيك فى “أولاد حارتنا”؟ فعاجله هيكل: “ألم أقل لك أني تحمست لها ونشرتها”!

كما نشرت جريدة “المساء”، وهي تابعة بدورها لمؤسسة “دار التحرير” التي تصدر عنها “الجمهورية”، خبرًا قصيرًا في (21 ديسمبر 1959) كتبه محرر الأدب، ذكر فيه أن محفوظ “سينتهي بعد أيام من نشر روايته المسلسلة التي ينشرها بالأهرام ويتوقع الوسط الأدبي أن تثير الرواية بعد انتهائها مناقشات حامية للأسلوب الذي صاغ به محفوظ الرواية والشكل الفني لها” تاريخ نشر الخبر كان تاليًا على الضجة. إشارة محفوظ التي ذكرها لعادل حمودة، وفي حضور هيكل، أن الهجوم بدأه أحمد عباس صالح ليست صحيحة تماما، إذ لم يكتب فى أثناء الأزمة أي هجوم على الرواية، لكنه لم يبد حماسًا للرواية وقت نشرها، وربما يكون موقفه من الرواية كان شفويًا أبلغه لمحفوظ فى ندوته الأسبوعية، وقد أوضح عباس صالح موقفه الكامل من الرواية فى مقال نشره فى صحيفة “الشرق الأوسط”( 14 ديسمبر 2002):

“عندما كتب نجيب محفوظ ” أولاد حارتنا” لم أتحمس لها، إذ كانت في رأيي استعارة فنية من الرؤية الماركسية للتاريخ، الذي مر بخمس مراحل تنتهي بالمرحلة التي يسودها العلم وتقنياته، وهي رواية تحاول التوفيق بين الرؤية الدينية والرؤية العلمية، وغالبا كانت قضية العلم والدين من قضايا عشرينيات القرن الماضي، ولعل المثقفين المصريين كانوا قد قرأوا «نيتشه» إلى جانب «دارون» وربما أقلقهم قول نيتشه بأن الدين قد مات، وأن السوبرمان الذي ارتكز في معرفته بالعالم على العلم وأساليبه البحثية، هو الذي سيقود العالم ويطوره دون حاجة إلى الدين وثقافاته. وفي الثقافة الإسلامية بالذات جهاد تاريخي للتوفيق بين العلم والدين، والتي تداولت بين فلاسفتهم ومفكريهم وفقهائهم أيضا تحت اسم العقل والنقل أو العقل والشريعة، وهو جهاد استمر طويلًا وما زال قائمًا، ومنذ المعتزلة وابن رشد حتى محمد عبده يناقش المفكرون المسلمون هذه القضية بين متمسك بحرفية النص ومحتكم إلى العقل، وسمّي الكثيرون منهم بالتوفيقيين، ويتراوح الرأي في هاتين القضيتين بين الحرفية الصارمة تجاه النص وبين المرونة التأويلية “. ويضيف:” بالنسبة لي كنت نافرًا من تلك الصياغات، التي تهتم بالرمز دون ضرورة، وكنت أعتقد أن الفن يلجأ إلى الرمز حين يكون المجال المعبّر عنه مغلقًا على العقل والخبرات الحياتية، وأن الأسلوب الوحيد الممكن في هذا العالم الغامض هو الرمز (…) وبالتالي أولاد حارتنا لا تضيف جديدًا إلا تلك المصالحة الأخيرة بين الدين والعلم، وهي فكرة كامنة في الفلسفة الهيجيلية، وما أظن أن محفوظ كان مطلعًا عليها جيدًا”.

في دور العرض:احنا التلامذة

السينارسيت يعتزل

 

لم تنس مجلة “الإذاعة” شعورها بالغبن وتراجع محفوظ عن اتفاقه معها على نشر “أولاد حارتنا” على صفحاتها، وشاركت في الهجوم عليه، فكتب حلمي سلام رئيس التحرير مقالًا بعنوان ” مواطن الشبهات” في ديسمبر 1959. شن فيه هجوما شديدا على محفوظ الذي أعلن أنه لن يكتب للسينما أي سيناريو طالما ظل في منصبه مديرًا للرقابة. ابتعادًا بنفسه عن مواطن الشبهات. وسأل سلام: “ما رأيك في الاعلانات السينمائية الكثيرة التي نقرؤها في هذه الأيام وكلها تحمل اسم نجيب محفوظ ككاتب للقصة أو للسيناريو أو للحوار؟ “. محفوظ أرسل ردًا مطولًا على ما جاء في مجلة “الإذاعة” دفاعا عن نفسه. قال: “عندما تفضل السيد ثروت عكاشة وزير الثقافة والإرشاد، بعرض هذا المنصب الدقيق عليّ قدمت له قائمة ضمنتها بيان الأعمال السينمائية التي كنت فرغتُ منها، أو اتممت التعاقد عليها، قبل أن يتفضل الوزير بعرض منصب مدير مراقبة الأفلام عليّ وأوضحت للسيد الوزير أنني لن أستطيع بعد قيامي بمسئوليات هذا المنصب متابعة العمل في السينما لأن ذلك سيضعني في موقف صعب، يستحيل عليّ معه التوفيق بين العملين. ويعرضني لما لا أحب لنفسي أن أتعرض له”. وأضاف محفوظ في رده: “كان السيد الوزير كريمًا عندما أدخل في حسابه الخسائر المادية التي سوف تصيبني نتيجة لهذا القرار الذي اتخذته. والذي قصدت به أن أحمي اسمي، ومنصبي، من أيه شبهات قد تثار حولهما كان الوزير كريمًا في تقديره لهذا الموقف، عندما وعدني بأنه سيعوضني عن هذه الخسائر بتكليفي بالقيام بالأعمال السينمائية التي ينتظر أن تقوم بها أو تساهم فيها وزارة الثقافة والإرشاد. حمدت للسيد الوزير موقفه الكريم هذا والتزمت قراري. فلم أتعاقد. ولم أكتب للسينما حرفًا واحدًا جديدًا على القائمة التي بين يدي وزير الثقافة. والتي تنطوي على بيان الأعمال السينمائية التي كنت فرغت منها قبل أن أتولي ذلك المنصب الدقيق الذي أشغله. وهذه الأعمال السينمائية التي يعلن عنها في هذه الأيام مقرونة باسمي. وكذلك التي سوف يعلن عنها خلال الأشهر القادمة من العام الجديد ليست سوى محتويات القائمة التي أشرت إليها. والتي لم أتعاقد على شيء سواها”.

لم يكن بيان محفوظ بردًا وسلامًا على المجلة، ولم يتوقف هجومها عليه، وإنما استمر الغمز واللمز بين الحين والآخر ضد أفلامه، منصبه، وكتاباته!

كيف يقرأ المشايخ الأدب؟

من الكلمة الشفوية إلى المكتوبة

 

جانب آخر من الحكاية يرويه الروائي سليمان فياض، الذي كان واحدًا من أوائل من كتبوا عن “أولاد حارتنا”. كتب فى مجلة الشهر (فبراير 1960) معتبرًا أن الضجة حول الرواية:” لم تكن نقدية، وإنما كانت في البيوت والشوارع والأقاليم، ومنتديات النقاد والأدباء، لكنها لم تخرج من نطاق الكلمة الشفوية إلى نطاق الكلمة المكتوبة بين الأدباء والنقاد في الصحف والمجلات”، وهو ما يرجعه فياض إلى سببين: أن الرواية لم تصدر في كتاب بعد، فضلًا عن انعدام الثقة في أن تكون قد نشرت بنصها الكامل في “الأهرام” كما كتبها نجيب محفوظ، فضلًا عن عدم متابعة الكثيرين من النقاد والأدباء لها في الأهرام.

بالتالى فكل محاولة للتعليق الآن على “أولاد حارتنا” هي محاولة تأتي قبل أوانها، خاصة في هذا الجو من انعدام الثقة بين النقاد والأهرام ونجيب محفوظ نفسه. يختتم فياض بالتأكيد علي أن محفوظ ” الذي كان حتى “السكرية” جبلًا بلا قمة، على حد تعبير صديقه الأديب عادل كامل، قد وجد أخيرًا قمته عندما كتب “أولاد حارتنا” تلك القمة الشاهقة الباردة الرائعة، فقد اهتدى أخيرًا إلى الأسلوب الروائي المعاصر الذي هو حصيلة كتاب عصرنا العظام، وهجر أسلوب الرواية الكلاسيكية في القرنيين الماضيين وتمثل أسلوبه الجديد هذا في اعتماده بالدرجة الأولى على الحوار والحركة، والوصف المركز، وتكثيفه للغة المنولوج الرومانتيكية التي كانت تميزه في مرحلته الروائية الثانية، وإدراكه لقيمة الرمز، في العمل القصصي، الرمز في الشخصية والموقف والحدث، ذلك أن الرمز هو رداء الفنان وسلاحه في أرض الكلمة”.

ما كتبه “فياض” لم يكن إلا جانبًا من جوانب قصته مع “أولاد حارتنا”، فعندما التقيت به في منزله (قبل رحيله  في العام 2015) حكى لي عن علاقته بالشيخ محمد الغزالي، الذي يمت له بصله قرابة، وهما من البلدة نفسها. عندما كان فياض طالبًا بالأزهر وعده الغزالي بالتعيين فور تخرجه إمامًا لمسجد السيدة زينب، لكن فياض رفض رغم محاولات الشيخ إقناعه بالدخل الذي سيدخل جيبه من صندوق النذور(23 ألف جنيهًا وقتها). المكان لا يمكن رفضه، بل هو حلم كل الشيوخ القدامي قبل المُتخرِجين حديثًا أو كما قال الغزالي: ” جامع تتقطع دونه الرقاب”! أصرَّ سليمان على الرفض: “عباية الوعظ واسعة عليّ، كنت أريد الحرية. لا شيء آخر، كنت أريد أن أصبح كاتب قصة “.

عمل فياض فور تخرجه صحفيًا، مع سعد الدين وهبة، في مجلة الشهر، يحرر بابًا ثابتًا بعنوان “شهريات”. كان مجرد كاتب بالقطعة، لذا عمل في جريدة الجمهورية، لكنه فُصَلَ منها في أواخر 1959، وكان مفلسًا فضاقت به الدنيا، ثم تذكر عرض الشيخ الغزالي فذهب لزيارته، وانتهت الزيارة بأن اقترح “الشيخ” أن يسعى لتعيين “فياض” سكرتيرًا في مكتب وزير الأوقاف.

سلامة موسى (1887-1958)

في تلك الفترة حضر فياض اجتماعًا لما سمي بلجنة “الدفاع عن الإسلام”، وهي لجنة ابتكرها الشيخان سيد سابق ومحمد الغزالي بهدف “رصد افتراءات المستشرقين على الإسلام والرد عليها”. والشيخان كلاهما كان عضوًا سابقًا في جماعة الإخوان المسلمين، لكن “الشيخ سيد” يمتاز بأنه كان مسئولًا عن تلقين شباب الإخوان الدروس الفقهية، من أجل تأهيله للدخول إلى التنظيم الخاص “الجناح العسكري” للجماعة، وقد تصدرت صورته غلاف أحد أعداد مجلة “الإخوان المسلمين” وهو يتدرب على حمل السلاح. كما إنه أفتى بمشروعية قتل فهمي النقراشي باشا، رئيس الوزراء، عام 1948، ولذا سُمى “مفتي الدم”، وتم اعتقاله مع عدد من أعضاء الجماعة في سجن الطور، لكنه ظل يؤدي دوره في الحفاظ على لَّحْمَة التنظيم من خلال تعليم وتلقين أعضاء الجماعة المستمر لمبادئ التنظيم وأفكاره حتى جاءت ذروة الصدام مع الضباط فى 1954 وتباعد الشيخان عن جسد التنظيم الساقط على أعواد المشانق وخلف أسوار السجون.

الآن- آواخر 1959- أضحى الشيخان مفيدَين للسلطة التى تخوض معركة كبرى مع “الشيوعية” فى مصر وفى عدد من البلاد العربية ، في العراق بالأخص، لذلك بدأت أدوارهما تكبر بالإضافة إلى أنهما كانا مسئولَين كبيرَين نافذَين فى وزراة الأوقاف، فإنهما سعيا لحشد جهود الشيوخ فى لجنة “الدفاع عن الإسلام” التى ترأسها الشيخ سيد وضمت فى عضويتها إثنا عشر من كبار رجال الدين، وفى أحد الاجتماعات كان محور”الدفاع عن الإسلام” مناقشة كيفية “التصدي لرواية أولاد حارتنا”، وكان فياض للمصادفة حاضرًا، وها هو يتذكر: ” كنت كاتب الجلسة، عندما بدأ الكلام عن ” أولاد حارتنا” هاجم الشيخ الغزالى الرواية هجومًا شديدًا وقال إنها “عبث بتاريخ الديانات، وإلحاد”، فارتعش القلم في يدي، فنظر إلىّ الغزالي، وكان يعرف أنني أكتب القصة، وأمرني ألا أكتب شيئًا من مناقشات اللجنة، بل هو من سيقوم بالكتابة”.

حصل فياض على نسختَين من التقرير النهائي الذي تضمن نقدًا حادًا لمحفوظ وإدانة له، وفى يوم ندوة محفوظ الأسبوعية أعطاه نسخة من التقرير. يقول فياض:” عندما قرأ محفوظ الورقة تغيّر لونه. أصبح أصفر مثل الليمونة”. أسأله عن النسخة الثانية، يجيب: “حصل عليها غالي شكري”. أسأل فياض هل تتوقع أن يكون عمل اللجنة بأوامر حكومية؟ فيجيب: “لا أظن، هؤلاء عملوا من وراء عبدالناصر لنشر الأخونة بين الأئمة وفي المساجد، هؤلاء هم الخلايا النائمة داخل الإخوان، ولم يتمّ القبض عليهم”، ويضيف: ” نجيب محفوظ لم يكن ينتقد الدين أو السلطة فقط في “أولاد حارتنا”، وإنما المنظومة الثقافية العربية، كلها، وهو أمر لم يكن مقبولًا من الجميع”. أسأله: معظم شخصيات لجنة ” الدفاع عن الإسلام” تضم أعضاء سابقين في جماعة الإخوان، كيف وصلوا إذًا إلى مناصبهم المؤثرة داخل جهاز الدولة الإداري؟

يجيب: الغزالي وسابق من تيار الإخوان داخل الأزهر، وهو تيار كان يكره سيد قطب ووافق على العمل مع الدولة بعد أن خدع جهاز الأمن، هم لم يتخلوا عن أفكار التنظيم على الإطلاق، الوحيد الذي ترك الإخوان ورفض أفكارهم هو الباقوري. يصمت فياض قبل أن يضيف:” كانوا خلايا نائمة للإخوان داخل الدولة، والأمن لم يكن واعيًا بهم، عملوا من وراء عبد الناصر، ونشروا أفكار تنظيم الإخوان بين أئمة المساجد، ولم يعتقلوا”. يتذكر فياض اللقاء الوحيد الذي جمعه بسيد قطب، الذي كان يسكن وقتها في حلوان، في بيت مساحته نصف فدان، أكثر من نصفه حديقة بلا أزهار. كان البيت ملكًا لمأذون حلوان، اشتراه قطب بـ 2000 جنيه. في اللقاء بينهما، دارت مناقشات كثيرة ومتعددة، لا ينسى فياض ما قاله قطب له يومها:  يا سليمان يا حبيبي، بين الناس وحوش وذئاب. ولا يجترئ الناس على الذئاب إلا الدين” هكذا كان الدين وتصوراته في نظر قطب. محاولة للوصول وممارسة السلطة من خلاله.

سؤال خبيث عن الحشيش

 

التزم محفوظ الصمت تمامًا طوال أيام نشر الرواية التي انتهي نشرها يوم الجمعة 25 ديسمبر 1959، في اليوم ذاته ذهب محفوظ إلى ندوته الأسبوعية في “كازينو الأوبرا”. اعتاد أن ينصرف كل أسبوع في الواحدة والنصف، لكنه في ذلك اليوم حرص على البقاء حتى الثالثة والنصف لسخونة النقاش حول الرواية الجديدة. تزعم رفض الرواية في الندوة مدرس أدب في كلية الآداب وناقد صحفي في إحدى الجرائد اليومية، لم تشر جريدة “الجمهورية” التي غطت تفاصيل اللقاء إلى اسميهما. لكن محفوظ أوضح وجهة نظره كاملة في الرواية لأول مرة، قال: ” إنه يريد الكشف عن الهدف الأساسي للبشرية، وهو البحث عن سر الكون، وحتى تستطيع البشرية الكشف عن هذا السر، تحتاج إلى التفرغ له والاستعداد، وهي لن تتمكن من هذا إلا بعد القضاء على استغلال الأغنياء للفقراء، والصراع بين الناس من أجل لقمة العيش”. أضاف محفوظ: ” القصة تصوّر هذا الصراع المرير الذي تزعمه الأنبياء والرسل دفاعًا عن الفقراء وتهيئة العيش السعيد للناس أجمعين حتى يتفرغوا للبحث الأعظم، ولكن ما إن تنتهي الرسالة حتى يعود الأغنياء فيقبضون على زمام الأمور، وتعود المعركة من جديد للوصول إلى العدل والرفاهية للجميع، ثم تدخل “العلم” بعد انتهاء الرسالات ليقوم بنفس الغاية وهي إسعاد الناس، لكن المستغلين سخروا العلم لمصلحتهم أيضًا، وقتلوا رمزه في القصة، إلا أن شخصًا آخر استطاع الهروب بسر الاختراعات العلمية الحديثة ليعاود الكفاح من أجل إنهاء الصراع بسبب لقمة العيش والتفرغ لمعرفة سر الحياة”. الناقد الذي لم تذكر الجريدة اسمه اعترض على ما قاله محفوظ معتبرًا أن “القصة لم تضف جديدًا، هي فكرة قديمة، هي مجرد تسجيل لتاريخ البشرية بلا إضافة من الكاتب الذي لم يحاول أن يستخلص من هذا التاريخ مغزى عامًا جديدًا، أو موقفًا فكريًا خاصًا، وأنه فضلًا عن ذلك قد جعل العلم يتمسح في الغيبيات، في حين أنه نبذها من أول ظهوره حتى الآن”.

فى 2 يناير 1960، أي بعد أقل من أسبوع من الانتهاء من نشر الرواية أجرى أحمد حمروش حوارًا مطولًا مع محفوظ نشرته “الجمهورية” تحدث فيه عن اندهاشه من الضجة ضد الرواية وأوضح قصده من كتابتها:”هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية.. وأبعد ما يكون عن ذهني أن أكتب سير الأنبياء فى حارة، لكن أود أن أبلغ الرجل العادي أنه حتى لو كانت حياته فى حارة، فإن الظروف تقتضيه أن يقتدي تمامًا بما يفعله النبي..أى نبي”.

سأله حمروش: ولكنني سمعت يا نجيب- وأنا لم أقرأ الرواية بعد- أنك أظهرت الشخصية التي تمثل نبينا محمد وهي تدخن الحشيش؟

أجاب محفوظ: هذه الشخصية ليست محمدًا في ذاته، وهي ليست النبي الذي ندين بديانته، لكنها “إنسان” في الحارة، وإلا فقل لي هل كان واجبًا أن نحرق “كليلة ودمنة” والحيوانات فيها ترمز إلى البشر، والكلب فيها يرمز إلى “الوفاء” رغم أنه “يهوهو” وأنه كلب”.

فى الحوار تحدث محفوظ عن انتهاء المرحلة الواقعية التقليدية في إبداعه :”هذا ليس نتيجة التفكير الفني، لكنها نتيجة تغيّر الشخص نفسه. كنتُ فى الماضي أهتم بالناس وبالأشياء، لكن الأشياء فقدت أهميتها بالنسبة لي، وحلَّت محلها الأفكار والمعاني، وأظن هذا تطورًا طبيعيًا بالنسبة لسن الكاتب. أصبحت أهتم اليوم بما وراء الواقع”.

هو الأمر الذي اعتبره حمروش فلسفة جديدة، اعترض محفوظ على استخدام كلمة فلسفة لوصف الأمر:” هي ليست فلسفة.. أرجوك، فأنا لست فيلسوفًا، لكنني أحلم وهذه هى أحلامي. أتطلع إلى لون من ألوان الحياة تستطيع أن نطلق عليه الصوفية الاشتراكية”. وأوضح محفوظ مقصده من المصطلح: ” هو التطلع إلى الله، والإنسان لا يستطيع أن يعرفه إلا إذا ارتفعت حياته إلى مستوى نظيف خال من المفاسد والشرور. طالما هناك إنسان يستغل الآخرين فالفساد والشر باقيين، الذي يستغل شرير، والمستغل بائس، والعلاقات بينهما فيها حقد وكراهية، وما بين الشر والبؤس، أتطلع الى الله”. يضيف محفوظ: “أتطلع إلى حياة بإنسانية، علاقات الناس تقوم على الحب والتعاون حتى يستطيعوا أن يتجهوا إلى الله، وهذه هي الاشتراكية التي أطلبها”. يسأله حمروش: “وهل تتفق رواياتك الأخيرة مع أفكارك الجديدة؟”، يجيب محفوظ:” أظن ذلك”.

وفي حوار آخر نشرته “الجمهورية” (9 إبريل 1960) تحت عنوان “رحلة في رأس نجيب محفوظ” سأله إبراهيم الورداني: فى “أولاد حارتنا” لماذا حبست نفسك ومعك القراء فى زنزانة الأسلوب الرمزي؟!

أجاب محفوظ: اسمع، كل واحد وله فكرة بالنسبة لهذا الكون الذي نحيا فيه، وقد أحسست أنني أريد أن أقول فكرتي بتلك الطريقة التي عرضتها بها. حتى الآن لم أعرف لماذا كتبتها هكذا، وأصارحك بأنني أعود إلى نفسي أحيانًا، فأقول إنها دعوة للاشتراكية وتقديم العلم بطريقة الدين. نعم، لماذا لا يكون العلم مقدسًا مثل الدين؟ أو لماذا لا أصارحك، ربما فى هذه الرواية تطور فكري لي شخصيًا لم يتضح لنفسي حتى الآن”.

لم تكن أفكار الرواية، وتجديد محفوظ وأسئلته داخل النص هو فقط ما يشغل الوسط الثقافي وقتها، كان هناك سؤال أهم للجميع: هل نشرت الرواية كاملة أم تعرضت للحذف؟

ملك إسماعيل حاورت نجيب محفوظ في “المساء”( 26أكتوبر 1960) سألته: روايتك الأخيرة “أولاد حارتنا” التي كانت تنشر في”الأهرام” لماذا لم تستمر في نشرها حتى نهايتها؟ صمت محفوظ قليلًا، وابتسم قبل أن يجيب: “إزاي الكلام ده؟ أنا نشرتها لآخرها بس القراء لم يفهموها. ولما تطلع لهم فى كتاب ويقرأوها على بعضها ستزيد قوتها ويتأكدون أنني اكملتها للآخر في الأهرام”!

استمر محفوظ يدافع عن روايته، واستمر اهتمام الوسط الثقافي والصحفي بها. مرة أخرى تعود مجلة ” الإذاعة”( فى 12 نوفمبر 1960) لتسأل محفوظ في تحقيق بعنوان ” الجديد الذي أحلم بتحقيقه”، شارك فى التحقيق عدد كبير من الأدباء والفنانين، من بينهم محمد عبدالوهاب، وأمينة رزق، وصلاح جاهين. قال نجيب محفوظ: “حلمي أن أترك الأدب وأعيش مرتاح البال في مزرعة أعمل بها بعيدًا عن ضجيج المدينة وأهل المدينة”. لكن محرر المجلة لم يترك محفوظ، وذهب به بعيدًا عن طبيعة التحقيق، فسألته المجلة: ” أنت مثلًا كنت تسير في كل رواياتك وقصصك ككاتب واقعي طبيعي. يصف ويحلل، ثم ظهرت لك فجأة آخر رواية كتبتها “أولاد حارتنا” وكان لونك فيها يختلف تمامًا عن واقعيتك التي عرفناها عنك في كل قصصك، كانت أولاد حارتنا رواية رمزية، تناولت فيها شخصيات صغيرة ورمزت بها إلى شخصيات خطيرة أنت تقصدها؟”، فرد محفوظ:” أبدًا، أنا لم أرمز إلى شخصيات كبيرة أنا قصدت الرمز من خلال هذه الشخصيات الصغيرة إلى أفكار كبيرة، فبعض الشخصيات رمزت بها إلى التفكير الديني، وبعضها إلى التفكير العلمي، لأصوّر أفكار العصر الذي نعيشه، ونعيش قلقه، وأنا أعرف فترة القلق النفسي والخوف التي يعانيها الفنان قبل أن يقدم على تحقيق فكرة جديدة أو حلم جديد.أما ما هو الجديد الذي أريد أن أكتبه بعد ” أولاد حارتنا” فأرجوك يا عم.. انت عاوز توديني في داهية”.


درس سلامة موسى

مبكرًا جدًا انشغل محفوظ بالفكرة الرئيسية التي دارت حولها “أولاد حارتنا”، تحديدًا في أوائل الثلاثينيات عندما التقى سلامة موسى لأول مرة. روى محفوظ تفاصيل هذا اللقاء في “ثلاثيته”. عندما يلتقي أحمد شوكت (في شخصيته جانب من جوانب نجيب محفوظ مثله مثل كمال عبدالجواد في الرواية ذاتها) بعدلي كريم (الذي يبدو في الرواية معادلًا فنيًا لسلامة موسى) ليعمل معه في مجلته ” الإنسان الجديد”. نصيحة عدلي لشوكت كانت: “أنت تدرس الأدب، إدرسه كما تشاء، لكن لا تنسى العلم الحديث، يجب ألا تخلو مكتبتك، إلى جانب كتب الأدب، من كتب داروين، فرويد، ماركس، وإنجلز، هؤلاء علماء. لكل عصر أنبيائه، وأنبياء هذا العصر هم العلماء”. سلامة موسى هو الأب الروحي لنجيب محفوظ، القارئ الأول لأعماله الأولى، مرشده أيضًا لما ينبغي أن يقرأ.

ثلاثية محفوظ تكشف ذلك بجلاء، وأيضا حواراته المتناثرة: “وجهني سلامة موسى إلى شيئين مهمين هما العلم والاشتراكية ومنذ دخلا مخي لم يخرجا منه إلى الآن”. إذًا بذرة الفكرة الأولى ألهمه إياها “موسى” الذي كان:” أكبر مبشر في جيلنا بالعدالة الاجتماعية وبالعلم وبالرؤية العصرية، وبقدر تطرفه في الدعوة للعلم والصناعة وحرية المرأة كان في الجانب السياسي معتدلًا فلم يجنح إلى الديكتاتورية. لذلك اعتبره الأب الروحي للاشتراكية والديمقراطية”. محفوظ نفسه احتفظ بتلك الأفكار، كان مشغولًا بالفعل بدور العلم في حياة البشر وتقدمهم. في 22 أغسطس 1959، أي قبل أقل من شهر على نشر “أولاد حارتنا”، أجرى عبدالله أحمد عبدالله حوارًا مع محفوظ في مجلة “الإذاعة”. سأله عن حكمته التي التقطها من الحياة: أجاب محفوظ على الفور: “العلم أساس المُلك”. كما كان يلح دائمًا في حواراته: ” أتمنى أن يأتي اليوم الذي نتفق فيه جميعًا على أن العلم وحده هو ديوان العرب”.

اتفاق

رتب حسن صبري الخولي، رئيس جهاز الرقابة على المطبوعات في ذلك الوقت، وقبل أن يصبح مبعوثًا شخصيًا للرئيس عبدالناصر، لقاء بين محفوظ وعدد من شيوخ الأزهر المعترضين على نشر الرواية، وكان من بينهم ثلاثة كتبوا تقاريرًا، أوصت بوقف نشر ومصادرة الرواية وهم: الشيخ محمد الغزالي، الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ أحمد الشرباصي.

ذهب محفوظ إلى مكتب الخولي في الموعد المحدد وتخلف الشيوخ الذين – ربما- خشوا من المواجهة، ودار حوار بين الخولي ومحفوظ انتهى إلى اتفاق “جينتلمان” أنه بإمكان محفوظ نشر الرواية في أي بلد عربي باستثناء مصر، وألا تنشر في الاخيرة إلا بموافقة الأزهر.

“لا نريد أن ندخل فى مشكلات مع الأزهر” كما قال الخولى. محفوظ قال في حوار مع مجلة باريس ريفيو(1992) أن ما فعله مدير جهاز الرقابة على المطبوعات حسن صبري الخولي مجرد “نصيحة” بألا يطبع الرواية في مصر، مع تعهده بألا تهاجم الرواية في الصحافة المصرية.

استجاب محفوظ للنصيحة وظل ملتزمًا بالاتفاق. معتبرًا أن لديه في الرواية رسالة لم تصل: “شعرتُ أن رسالتي لم تصل فلم أسع للدفاع عنها ولم أسع إلى نشرها”. لكن ما الرسالة التى أرادها محفوظ، لكنها لم تصل؟ هل كانت رسالة سياسية؟

شَعَر الكاتب أن رسالته لم تصل فلم يسع للدفاع عنها ولا نشرها، هل كانت هذه الرسالة سياسية؟

بعد أزمة كتابة

كان نجيب محفوظ قد توقف عن الكتابة طوال خمس سنوات، أسماها “سنوات اليأس” أو “سنوات الجفاف”(1952-1957)، كان قد أنهى روايته ” الثلاثية” ورفض ناشره الخاص عبدالحميد جودة السحار نشرها لحجمها الكبير، وإن كان البعض يرجح أن رفض السحار للرواية ليس بسبب حجمها، لكن لأسباب أخرى يمكن استنتاجها مما حكاه محفوظ لجمال الغيطاني في “نجيب محفوظ يتذكر”: “أخطأت خطأً كبيرًا، لم أكرره فيما بعد أبدًا في حياتي، في هذه الفترة تحدثت كثيرًا عن هذا النوع من الروايات، وأفضت في شرح أفكاري، ونيتي في كتابتها يومًا ما. أحد الأدباء الذين استمعوا إليّ ذهب وشرع في كتابة رواية من هذا النوع، أي رواية أجيال، وأصدرها بعد ستة شهور”. لم يذكر محفوظ اسم الكاتب الذي تحدث أمامه عن الفكرة، لكن يعرف المقربون منه أنه يقصد السحار نفسه وروايته “الشارع الجديد”.

يقول محفوظ للغيطانى:” أذكر الفترة التي تلت رفض السحار لنشرها بأسى، كانت صدمة فظيعة، بل إهانة، خاصةً عندما قال لي لحظة رؤيته لها: إيه الداهية دي؟”. سليمان فياض حكى الواقعة بطريقة أخرى:” قال محفوظ للسحار: أريد أن أكتب رواية عن مصر، استحسن السحار الفكرة وراهن محفوظ أنه سيكتب هو أيضًا رواية “مصر” فاتفقا أن يلتقيا بعد سنة.. أيهما يستطيع أن ينتهي أولًا”. السحار انتهى قبل الموعد المحدد، ونجيب قال لفياض فى وصف رواية السحار: “حلوة.. بس لو استنى عليها شوية وما استعجلش”.

خدعة السحار، وصدمة محفوظ كانت من أسباب توقف محفوظ عن الكتابة، خاصة مع تأخر نشر “الثلاثية” خمس سنوات كاملة، يضاف إلى ذلك أنه تزوج عام 1954 فأصبح مسئولًا فجأة عن ثلاث عائلات: أمه، زوجته، وشقيقته التي توفى زوجها بأبناءها. يقول:” كان لابد لي من عمل أحصل منه على دخل إضافي أواجه به مسئوليات الزواج والأسرة الجديدة”. فوجد ملاذًا في فن آخر هو السينما التي أتاحت له دخلًا معقولًا فكتب فى تلك الفترة نحو إثني عشر سيناريو. كما كان يكتب القصة القصيرة بين الحين والآخر، فنشرت له مجلة “الرسالة الجديدة” في (سبتمبر 1958) قصة قصيرة حملت عنوان ” لك ما تشاء” لم يضمها إلى أي من مجموعاته القصصية فيما بعد، ولا تشير إليها “الببليوجرافيات” التي تمّ إعدادها عن أعماله!

عندما كان الصحفيون والنقاد يسألون محفوظ عن أسباب هذا التوقف كان يقول دائمًا:” الثورة حققت الأهداف، والمجتمع لم يعد فيه القضايا التى تستفزني”. كما أن “عصر ما قبل الثورة أصبح جثة هامدة” ولم يعد هدفًا للكتابة. محفوظ فى أعلى درجات صراحته مع جمال الغيطاني قال:” كان السؤال حول أسباب التوقف له جانب سياسي، وكانت هذه الإجابة تبعد عنى الشبهات.. بدا لي أن إجابتي هذه سبب معقول، لكن هل هذا حقيقي؟ إنه مجرد تفسير الحقيقي”. يضيف محفوظ:”ربما كانت الثلاثية هي السبب، إذ يمكن القول إنني أشبعت من خلالها رؤيتي، لكنني لا استطيع الجزم بذلك أيضًا. كان السيناريو عزاءً محدودًا، وكنتُ في أسوأ حالات عمري، لدرجة أنني كنتُ أشتهي الموت”!

ومن الممكن أيضًا أن نجد تفسيرًا لتوقف محفوظ عن الكتابة في تلك الفترة، في رواية محفوظ “السمان والخريف” التي نشرها عام 1962.

ربما يحمل محفوظ بعض ملامح بطل الرواية عيسى الدباغ، الوفدي الذي ينتمي إلى جيل ما بين الثورتين، لكن يوليو تعاملت مع هذا الجيل بمنطق المنافسة، وأصرت – كما يقول صلاح عيسى في كتابه ” شخصيات لها العجب”- على أن تقتلعهم من الخريطة السياسية المصرية، وخيرتهم بين أمرين لاثالث لهما: أن يقروها على أنها بداية تاريخ الوطن، وأن كل ما قبلها لم يكن شيئًا إلا فسادًا وخيانة، فيغتالوا بذلك تاريخهم، أو أن يلتزموا الصمت التام وينسحبوا من العمل العام، ويضعوا على أفواههم أقفالًا من حديد. لهذا يقول الدباغ:” كنّا طليعة ثورة، فأصبحنا حطام ثورة”. يضيف عيسى:” كانت مشكلة الدباغ، أنه يكره العهد الجديد بقلبه، لكنه لايستطيع أن يكرهه بعقله، ومع أنه تلقى نبأ نجاح الثورة فى إجلاء الإنجليز عن مصر، بارتياح، إلا أنه لم يخل من فتور مشوب بالغيظ لا لشيء إلا لأنه لم يتحقق على يد حزبه. هكذا يظل عيسى الدباغ وجيله، أسرى الإحساس بالخيبة، لأنهم شاركوا في صنع الثورة، وحين انتصرت عادتهم بلا سبب، واكرهتهم على خيار شرير، أن يؤيدوا بلا تحفظ أو أن يصمتوا إلى الأبد!

أدرك عيسى أن الشاب يدعوه لأن ينفض عنه ثوب الإحساس بأنه زائد عن الحاجة ليستأنف نضاله في سبيل وطنه وشعبه، ومع أنه تردد قليلًا، إلا أنه انتفض في نشوة حماس مفاجئة مضى في طريق الشاب بخطى واسعة تاركًا وراء ظهره مجلسه الغارق فى الوحدة والظلام!

في 1957 شعر نجيب محفوظ بدبيب غريب يسري في أوصاله وكما حكى لرجاء النقاش: “وجدت نفسي منجذبًا مرة أخرى نحو الأدب”. كانت أفكار محفوظ في تلك الفترة تميل ناحية الدين والتصوف والفلسفة. فجاءت فكرة رواية “أولاد حارتنا” لتحيي في داخله الأديب الذي ظن أنه مات. لكن مع ذلك فالرواية كما قال للنقاش: “لا تخلو من خلفية اجتماعية واضحة، لكن المشكلات التي صاحبتها والتفسيرات التي أعطيت لها جعلت كثيرين لا يلتفتون إلى هذه الخلفيات”.

يوضح محفوظ “الخلفيات الاجتماعية” التي يقصدها في حوار معه (جريدة القبس الكويتية – ديسمبر 1975): “لا أكتب إلا إذا حدث انفصام بيني وبين المجتمع، أي إذا حدث عندي نوع من القلق وعدم الرضا. بدأتُ أشعر أن الثورة التي أعطتني الراحة والهدوء بدأت تنحرف وتظهر عيوبها، بدأت تناقضات كثيرة تهز النفس. بدأتُ أشعر أن هناك عيوبًا وأخطاءً كثيرة تهز نفسي، خاصة من خلال عمليات الإرهاب والتعذيب والسجن، ومن هنا بدأتُ كتابة روايتي الكبيرة “أولاد حارتنا” والتي تصوّر الصراع بين الأنبياء والفتوات. كنتُ أسأل رجال الثورة: هل تريدون السير في طريق الأنبياء أم الفتوات؟ “.

وبعد حصوله على نوبل، وفى حفل لتكريمه أقامه قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، دارت أسئلة الحضور حول “أولاد حارتنا”. أوضح محفوظ أن الرؤية التي حكمته في كتابته تتعلق بالسلطة ومواجهتها. الفتوات الذين كانوا يمثلون السلطة ويستخدمونها ضد الحارة، وأن هناك القيم التي يجب أن تسند العلم، فكان هدف أبناء الجبلاوي أن يعيدوا إحياء هذه القيم كي تسند العلم.

قال محفوظ بوضوح: “الرواية لا فيها حملة على الدين ولا سخرية من الأنبياء ولا زراية بهم”، ويضيف: “يصح أن الرواية كانت تثير مشكلات سياسية، وهي أثارتها فعلًا بدرجة، لكن لما وجد أن هناك حاجة أقوى يمكن أن تهدمها سكت عنها من كان يمكن أن تثيره سياسيًا. أولاد حارتنا كما كانت تخاطب على مستوى ما البشر فإنها تخاطب أيضا رجال الحكم بلا شك. فى ذلك الوقت 1959، كان هناك نشوة بانتصارات ما، فجاء واحد يقول لهم الوقف أهه، الحارة أهي، الفتوات أهم، وهذا المعنى فيما أعتقد لم يفت على السلطة؛ لأنه تمّ التلميح لي به، وهل هناك أحد سيأتي ليسألني ماذا تقصد بالفتوات؟ الفتوات همّّا الفتوات، السؤال هنا له مغزى، لكن لما وجد رجال السلطة أن الرواية أثارت أمرًا آخر بعيدًا عن اللي سألوا عنه سكتوا”. الأزمة كلها من وجهه نظر محفوظ أزمة قراءة..لا أكثر ولا أقل.

مَن منع الرواية؟

حيرة نظام

 

كانت الرواية إذًا فى إحدى تأويلاتها تحمل رسالة سياسية واضحة. الرواية – في ترتيبها الزمني- بداية مرحلة إبداعية جديدة في حياته. مرحلة ما بعد الواقعية التي انتهت بالثلاثية التي شعر بعدها أن ” الإطار الواقعي استنفد كل ما لديه من طاقة فنية”. يرى غالي شكري أن النهاية الحزينة للثلاثية تقول بصراحة وجرأة أن هناك أزمة في المجتمع، وأن هذه الأزمة هي أزمة الحرية والتخلف الحضاري”.

المرحلة الجديدة بدأت مع “أولاد حارتنا” انتهت هذه المرحلة مع هزيمة 67. وحسب غالي شكري: “نستطيع أن نتلقف معظم الأفكار الواردة في “أولاد حارتنا” حول الوقف والبيت الكبير والجبلاوي والنظار والفتوات وأخيرًا عرفة والحنش، في بقية الأعمال التالية ابتداءً من اللص والكلاب وحتى ميرامار، لكننا حين نتلقف هذه الأفكار الرئيسية سوف نشهد ما طرأ عليها من تغيير كبير يحول دون التعرف على الأصل البعيد”.

الرسالة السياسية للعمل يؤكدها أيضًا محمود أمين العالم:”جوهر الرواية في تقديري هو النقد القيمي الفكري الرمزي للسلطة الناصرية، للتناقض بين شعاراتها ومبادئها وبين بعض ممارساتها، وخاصة تلك المتعلقة بالديمقراطية السياسية. إلا أن الرواية في الوقت نفسه تسعى لتقديم رؤية تبشيرية تزيل بها هذا التعارض بين المثال والواقع، بين السلطة والمجتمع، بين السياسي والأخلاقي، بين النظري والعملي، بين الموضوعي والذاتي في مصر بشكل عام”.

تعدد التفسيرات والتأويلات الخاصة بالرواية أزعج السلطة نفسها، وخاصة أن “الجناح اليميني” للسلطة الناصرية كان في حالة صعود، فعقدت مؤتمرات عديدة بهدف “تعبئة الفن والثقافة لمكافحة الاستعمار والشيوعية”.

يرصد شريف يونس في كتابه “نداء الشعب” العديد من الإجراءات التي تمت لتحقيق ذلك، سواء في مؤتمرات أو بيانات صادرة من جمعيات الأدباء أو عن لجنة “التوجيه القومي”، التي أصدرت “ميثاق شرف” للأدب والعلم والفن أعلنوا فيه الاستمرار في دورهم التوجيهى، والمشاركة بما يملكون من طاقات فنية وعلمية في بناء المجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني، وأخيرًا “صون الإنتاج الفني والفكري من عوامل الهدم والانحراف والعمل على جعله وسيلة إيجابية وإعلاء شأنه”. كل هذه الإجراءات، حسب تعبير شريف يونس، تهدف إلى “إدماج كل فروع الفن والأدب فضلًا عن المؤسسة الدينية الإسلامية بالذات في الآلة الدعائية للنظام”.

وسط كل إجراءات التوجيه والتعبئة وقف النظام حائرًا: ماذا يفعل تجاه نجيب محفوظ و”أولاد حارتنا”؟

يعتبر تقرير مجمع البحوث الإسلامية 1975 أن ما قدمه الكاتب عمل فني ممتاز، لكنه يوصي بعدم نشره مطبوعًا أو مسموعًا أو مرئيًا

معركة جاهين والغزالي

كانت ” أولاد حارتنا” جزءًا من معركة أكبر في ذلك الوقت، معركة السلطة للهيمنة على المجتمع، دينيًا وسياسيًا وثقافيًا. وهذه معركة جرت وقائعها حسب شريف يونس في كتابه ” باسم الشعب” وسط صدام قديم بين الإسلاميين الجدد والعلمانيين غير الشيوعيين، فخاض الأخيرون الذين سيصبحون لاحقًا مفكري يسار النظام، معارك متواصلة ضد رجال الدين ومطالباتهم بنوع من الحصانة والقداسة لهم ولمهنتهم. يرصد يونس الكثير من الوقائع الدالة:”هاجم أحمد بهاء الدين استغلال منابر المساجد في الهجوم على المتحررين أو المطالبين بحقوق المرأة، وقرر أن الخطباء باعتبارهم موظفين لدى الدولة لا يجوز لهم أن يستغلوا منابرهم لعرض آراء يستنكرها سواهم، كما رفض فكرة “الحكومة الدينية” التي نادي بها آنذاك حزب “التحرير” الأردني، مؤكدًا أن الدولة الإسلامية احتوت خلال ألف سنة على صور بشعة من الظلم والفسق والتهتك، وأن الخلفاء الإسلاميين لم يكونوا كلهم عمر بن الخطاب، وهاجم بهاء مجلة ” المساجد” الصادرة عن وزارة الأوقاف، على أساس انها تعادى جهود الدولة برفضها فكرة التأمين على الحياة والممتلكات وغيرها من أفكار الحداثة”. ومن جانبه اتهم الشيخ محمد أبو زهرة بهاء بالانحلال لدفاعه عن فكرة مساواة الرجل بالمرأة، ورد عليه بهاء بعنف. وقد تدخل صلاح الدسوقي أحد الضابط الأحرار محاولًا إيقاف ردود بهاء!

وفي الوقت نفسه استنكر فتحي غانم الاحتفال بأبي حامد الغزالى واصفًا إياه بأنه فقيه معاد للإشتراكية والعقل، ورد عليه الشيخ أحمد الشرباصي بأن الدين لا يعادي العقل، وأن هناك محاولات بادية أو مستورة لهدم الدين والسخرية من المتدينين، ودعا الشرباصي إلى ايقاف نشر الكتب المخالفة ومصادرتها، وقد استنكر “غانم” دعاوى “الشرباصي” إلى المصادرة والحجر على الأفكار المخالفة، متهمًا إياه بأنه يفكر بعقلية موظف في الأمن العام”.

ويؤكد شريف يونس أن المعركة لم تكن مجرد معركة بين صحفيين ومشايخ، فقد ظهر أيضًا صحفيون موالون لفكرة سيطرة القيم المحافظة التي دافع عنها رجال الدين. ظهرت حملات في الصحف على ” الأغانى الخليعة” وغير ذلك بتشجيع من كمال الدين حسين. يرى “يونس” أن قوة الإسلام الفقهي أخذت تتعافى منذ أواخر الخمسينيات، وعبرت عن نفسها في مناقشة الشيخ الغزالي مع عبد الناصر في 1962، التي طلب فيها صراحة بحصانة لرجال الدين من النقد. ولا ننسى أيضًا المعركة الشهيرة بين الشيخ الغزالى وصلاح جاهين على صفحات الأهرام. في مناقشة بنود الميثاق تحت قبة البرلمان طالب الغزالي بتحرير القانون المصري من التبعية الأجنبية، وتوحيد الزي بين المصريين، وهي آراء اعتبرها جاهين غير معبرة عن روح العصر، فخصص رسوماته الكاريكاتيرية مفندًا آراء الغزالي. كانت الرسمة الأولى للشيخ وهو يخطب في الجماهير ويقول: “يجب أن نلغي من بلادنا كل القوانين الواردة من الخارج كالقانون المدني وقانون الجاذبية الأرضية”.

غضب الغزالي وهاجم جاهين في جلسات الميثاق: “إن مهاجمة العمامة البيضاء أمر يستدعي أن يمشي العلماء عراة الرأس إذا لم تحَمَ عمائمهم”، وأضاف: “إن هذا المؤتمر يعطي الحق لكل فرد ليقول الكلمة الأمينة الحرّة التي يجب ألا يرد عليها بمواويل الأطفال في صحف سيارة ينبغي أن تحترم نفسها”. هجوم الغزالي استفز هيكل الذي كتب في ” كلمة الأهرام” مؤكدًا احترام الأهرام للدين، لكن: “نرفض محاولة الشيخ الغزالي أن يجعل من الخلاف في الرأي بينه وبين صلاح جاهين رسام الجريدة قضية دينية، وإن الجريدة تؤمن بحرية الرأي، لذلك تنشر نص كلمة الغزالي احترامًا لحقه في إبداء رأيه مهما كان مختلفًا مع رأي الجريدة، مع إعطاء الحق لصلاح جاهين أن يبدي رأيه هو الآخر فيما يقوله الشيخ”. نشر جاهين رسومات جديدة وتحتها كتب إن “ملابس الشيخ الغزالي لا تعطيه حصانة تجعل آراؤه فوق النقد”. كما كتب جاهين شعرًا ناقدًا للشيخ: “هنا يقول أبو زيد الغزالي سلامة/ وعينيه ونضارته يطقو شرار/ أنا هازم الستات ملبسهم الطرح/ أنا هادم السينما على الزوار/ أنا الشمس لو تطلع أقول إنها قمر/ ولو حد عارض. يبقي من الكفار/ ويا داهية دقي لما أقول ده فلان كفر/ جزاؤه الوحيد الرجم بالأحجار/ فأحسن لكم قولوا (آمين) بعد كلمتي/ ولو قلت! الجمبري ده خضار!”.

انتقلت المعركة إلى منابر المساجد هجومًا على جاهين والأهرام. حتى تدخل كمال الدين حسين الذي طلب من هيكل تجاوز موضوع الخلاف بين الجريدة والشيخ الغزالي، وضرورة الانصراف إلى مناقشة الميثاق. كما أكد أن احترام الدين وإجلاله أمر يحرص عليه الجميع. ويبدو أن معركة جاهين- الغزالي واحدة من توابع أولاد حارتنا، التي جاءت في الاتجاه العكسي مما تريده الدولة كما يقول شريف يونس:” فوضعت حارتنا بين الحارات، وحولت الأديان إلى أفكار، وتعالت على التعصب، كارهة الفتونة سواء كانت علينا أم لنا، وفتحت بذلك أفقًا عريضًا للإبداع”.

ضد الأهرام أم محفوظ ؟

سألتُ الأستاذ هيكل: هل توقعت أن يتم استغلال الرواية سياسيًا أيضًا وليس فقط دينيًا؟ أجاب: كان واضحًا هجوم محفوظ على السلطة، ولكن كان لدي مبدأ واضح في الأهرام أن أي نظام لا بدَّ أن يكون له نقاد، وإذا لم يتحمل النقد يفقد مبرر وجوده كنظام، وتحوّل إلى “زنزانة”. ثانيًا هناك كُتّاب لا يمكن أن تضع عليهم رقابة أو وصاية حتى من رئيس التحرير نفسه، ومنهم نجيب محفوظ وهو صاحب تجربة عريضة وهو وحده من يتحمل مسئولية ما يكتب أمام الرأي العام”!

(من الأعمال الكاريكاتورية لصلاح جاهين(الأهرام 1959

 

سألته: هل كان الهجوم على أولاد حارتنا مقصودًا به نجيب محفوظ أم محمد حسنين هيكل؟ ابتسم: المقصود به الأهرام، ليس شخصي ولا محفوظ. هناك داخل السلطة من أزعجهم نجاح الأهرام، لم نكن في طوع الاتحاد الاشتراكي، ولا الحكومة، ولم نكن نطلب مساعدات منهم، بل كنّا نحقق أرباحًا، لذلك عندما اشتكى علي صبري الأهرام للرئيس، أجابه عبد الناصر قائلًا: والله، هيكل لم يطلب منى شيئًا على الإطلاق، ولا يوجد مليم واحد دخل الأهرام من الدولة، حتى في الفترة الأولى، على عكس “الجمهورية” التي كانت تطلب دائمًا مساعدة الدولة.

قلت لهيكل: إذًا لم تكن السلطة الناصرية مجرد جناح واحد منسجم، بل جناحين، أحدهم يميني والآخر يميل إلى اليسار؟ أجاب:”بل عدة أجنحة، لم يكن فقط الاتحاد الاشتراكي ضد الأهرام، بل الحكومة أيضًا وأذكر أن سعد زايد محافظ القاهرة وقتها أهان أحد محرري الأهرام في اجتماع عام، فأصدرت قرارًا بألا تنشر أي أخبار عنه في الأهرام حتى يعتذر، وقد شكاني لعبدالناصر، لكنني صممت على موقفي، حتى اعتذر في النهاية. من المفارقات أن الأهرام الذي كنت أرَأّس تحريره وإدارته، وأنا أقرب الناس لجمال عبد الناصر كان هو الذي تعرض بانتظام لهجوم لم تتعرض له صحيفة أخرى. فقد كان هناك مَن ضايقه دور الأهرام في ذلك الوقت، ولذلك تقرر اعتقال عدد من محرريه، كل هذا وأنا فيه، وكل هذا وأنا القريب لجمال عبد الناصر”.

قلت لهيكل: إذن لم تكن السلطة الناصرية مجرد جناح واحد منسجم، بل جناحين، أحدهم يميني والآخر يميل إلى اليسار؟ أجاب:”بل عدة أجنحة، لم يكن فقط الاتحاد الاشتراكي ضد الأهرام، بل الحكومة أيضًا وأذكر أن سعد زايد محافظ القاهرة وقتها أهان أحد محرري الأهرام في اجتماع عام، فأصدرت قرارًا بألا تنشر أي أخبار عنه في الأهرام حتى يعتذر، وقد شكاني لعبدالناصر، لكنني صممت على موقفي، حتى اعتذر في النهاية. من المفارقات أن الأهرام الذي كنت أرَأّس تحريره وإدارته، وأنا أقرب الناس لجمال عبد الناصر كان هو الذي تعرض بانتظام لهجوم لم تتعرض له صحيفة أخرى. فقد كان هناك مَن ضايقه دور الأهرام في ذلك الوقت، ولذلك تقرر اعتقال عدد من محرريه، كل هذا وأنا فيه، وكل هذا وأنا القريب لجمال عبد الناصر”.

تربية المواطن

جَرًّت الرواية على محفوظ الكثير من المشكلات. إذ شَنّ وزير الاقتصاد آنذاك حسن عباس زكي هجومًا شديدًا على وزير الثقافة ثروت عكاشة لأنه أسند مهمة الرقابة لرجل ” متهم في عقيدته الدينية”. المدهش أن حسن عباس زكي نشر فى الأهرام بعد يومين من نهاية نشر”أولاد حارتنا” تحديدًا يوم 27 ديسمبر 1959 مقالًا بعنوان “الفن الذي نريده”، وتلى هذا المقال عشرين مقالًا آخرين نشروا ما بين الأهرام والأخبار، تحدث فيهم عن نظريته ” الاشتراكية الإسلامية” مؤكدًا أن عَلًّة المجتمع المصري هي ضعف المعانى الروحية”. وأقترح توظيف كل الامكانيات لتربية المواطنين تربية صالحة، بما فيها الفن:”من حقنا عليه (الفنان) أن يتجه بفنه إلى الأفكار التي رسمتها الدولة لحياتنا”، وأضاف:” أما الحرية فيجب ألا تكون أداة تجريب وتضليل أو تكون مبعثًا لزيغ العقائد”، هذا المشروع يرأه شريف يونس فى كتابه الهام” نداء الشعب”:” مشروع ثقافي بالدرجة الأولى، لا يعنيه كثيرًا كيفية تنظيم الاقتصاد، ولكن يعنيه فرض انضباط اجتماعي شامل وقائم على الرقابة المتبادلة والدولة هي أداة هذا الإخضاع الشامل، فهو مشروع هوية بامتياز، وبالتالي مشروع سلطوي”!

على جانب آخر اتصل مدير مكتب كمال الدين حسين (وزير الإدارة المحلية ونقيب المعلمين) بمحفوظ يخبره بغضب الوزير على موافقته على تحويل “أولاد حارتنا” إلى مسرحية، وهو ما نفاه محفوظ الذي أوضح له أن المسرحية التي تعرض له مأخوذة من رواية ” بداية ونهاية” وليست من ” أولاد حارتنا”. وكان الشيخ محمد أبوزهرة، الذي كان عضوًا في المجلس الشعبي لمحافظة القاهرة في ذلك الوقت، قد اعترض على تقديم رواية “بداية ونهاية” على خشبة المسرح القومي، قام بإعدادها أنور فتح الله وأخرجها عبدالرحيم الزرقاني، وقال أبوزهرة في أحد اجتماعات المجلس:”ها هم يعرضون “أولاد حارتنا” باسم جديد، وأين؟ في مسرح الدولة، فالبداية والنهاية هي بداية الكون ونهايته. وهذه “أولاد حارتنا”، لم تظهر في كتاب، بل في ثياب الممثلين والممثلات. وأمام هذا التصيد طلب ثروت عكاشة من محفوظ أن يترك جهاز الرقابة ويتولي مسئولية جهاز السينما، وهو جهاز جديد مهمته إعانة نقابة السينمائيين، ودعم جوائز المهرجانات! لكن المدهش أن الرواية تحولت إلى مسلسل إذاعي عام 1970 بالاسم ذاته، وأذاعته “صوت العرب” من بطولة سميحة أيوب وتوفيق الدقن وكريمة مختار. ولم يعترض أحد.

كما لاحظ محفوظ أنه يخضع للمراقبة، وأخبرته بنت أخت الدكتور حسن صبري الخولي زميل محفوظ في جهاز الرقابة في ندوته الأسبوعية التي كانت تتردد عليها أن ” سيارة محملة بمجموعة من العسكر ومعهم ضابط برتبه كبيرة توجهوا إلى بيت محفوظ لاعتقاله، ولكن صدرت لهم أوامر بالعودة وعدم إكمال المهمة”.

الأهم من ذلك هو ذهاب محفوظ إلى مبنى المخابرات العامة لاستجوابه حول الرواية دون أن يعرف. وهو ما حكاه لرجاء النقاش: “أتذكر أن الفنان فريد شوقي عرض على الدكتور ثروت عكاشة فكرة فيلم سينمائي يدور في إطار عمل المخابرات المصرية، وطلب تدخله لدى المخابرات لكي تسهم في تمويله، وافق عكاشة وأسند إليّ مهمة كتابة السيناريو وعندما فرغتُ من الكتابة استدعاني للقائه في مكتبه، وطلب مني الذهاب إلى مبني المخابرات ومقابلة المسئولين هناك واستطلاع رأيهم في السيناريو، ومعرفة مدى رغبتهم في تمويل الفيلم. لم أكن أعرف مكان مبنى المخابرات فحدده لي وذهبت. وفي المبنى التقيت نائب رئيس المخابرات طلعت خيري، الذي كان مختصًا بمثل هذه الأمور (…) لاحظت عند دخولي مكتب نائب رئيس المخابرات وجود شخص يحدق في ثم هَمّ بالانصراف، فاستبقاه خيري طالبًا منه الانتظار لأن الحديث سيدور عن السينما ويمكن أن يفيدنا هذا الشخص في المناقشة. لم يعرفني هذا الشخص بنفسه وفتح معي حوارًا طويلًا عن الثلاثية، ثم حدثني عن “أولاد حارتنا” والمشكلات التي ثارت حولها، وسألني عما أقصده من ورائها ومدي صحة ما يقال عن وجود تجاوزات دينية بها؟ انتهي اللقاء وانصرفت. وبعد عدة شهور شاهدت صورة في الصفحة الأولى لجريدة الأهرام للرئيس عبدالناصر في إحدى جولاته الإفريقية وتوقفت أمام صورة شخص يظهر في الصورة خلف عبدالناصر. إنه نفس الشخص الذي كان يتحدث معي في مكتب طلعت خيري. وكانت دهشتي شديدة عندما علمتُ أنه رئيس المخابرات صلاح نصر”.

على الفور قفز في ذهن محفوظ أن اللقاء مدبر، وأن ذهابه إلى مبنى المخابرات سبقته ترتيبات ما. يشير محفوظ إلى أن أصدقاء كثيرين له أخبروه أن المخابرات كان لديها اعتقاد بأن الرواية موجهة ضد النظام، وأنهم اشتموا فيها رائحة مؤامرة، وذهب آخرون إلى أن الأزمة التي أثارها الأزهر ضد الرواية كانت بتدبير المخابرات نفسها!

وحل شرقنا العربي

على الصعيد العربي، اهتمت مجلة الآداب البيروتية اهتمامًا خاصًا بأزمة “أولاد حارتنا”، مراسلها فى القاهرة محيي الدين محمد كتب فى عدد فبراير 1960 منتقدًا الهجوم على الرواية التي لم تنشر فى ” كتاب جامع، بل قرئت متفرقة فى جريدة يومية مع ما يؤديه ذلك من نسيان للملامح، ومن فواصل زمنية، ومن تشتت، ومن فقدان للخيط الرئيسي الذي يلملم الشخصيات ويعطيها الطابع الإنسيابي الحياتي”.. وأشار فى مقالته إلى أن سر الضجة التى أثيرت حول العمل قام بها بعض المسئولين فى الأزهر، وبعض النقاد فى الصحف اليومية والندوات، بربط شخصيات الرواية بالرجال العظام فى التاريخ كالأنبياء”، وأوضح الكاتب: “هجوم الأزهر يستند إلى ما يسميه تطاول الروائي على مقدسات الأمة العربية، مسلمين ومسيحيين، يرفض أن يكون شخصية الرسول مرسومة بهذه الألوان “الضحلة” التي لا دلالة لها سوى الرغبة فى السخرية من الأديان، أما هجوم النقاد فقد استند إلى نوعية أكثر نضجًا ووعيًا، فالبعض أقام فى ذهنه مقابلة بين هذا العمل وبين أمثاله فى الغرب، ودافعهم إلى إقامة المقابلة هو رغبة شخصية لنجيب محفوظ بأن يكون كاتبًا على غرار توماس مان كروائي إنساني، على أن يكف نهائيًا عن مجرد التصوير الحرفي لحياة الطبقة الوسطى فى المدينة”. لكن محيي الدين محمد نفسه يدافع عن هذا الهجوم النقدي والديني على محفوظ: ” لم يتخل محفوظ عن طبقته، لم يقفز بعمله الفني إلى المستوى الإنساني، إنه مغمور مازال فى وحل شرقنا العربي، يحاول أن يداواي أمراضه، ويشفي قروحه، والظن الساذج يرجع إلى انخداع بعض هؤلاء النقاد برموز الرواية وتسرعهم فى الاستنتاج”، وأضاف الكاتب:” استعانة الروائى بشخصيات التاريخ لا يمكن أن يفهم منها أنها محاولة للسرد، أكثر مما يفهم منها أنها محاولة لتكثيف خطأ الوسيلة التي تردى فيها الشرق أكثر من مرة بعدد الأنبياء والرسل والمصلحين الذين ظهروا فى تاريخه، إن الجواب لابد أن يكون عصريًا وعلميًا للغاية..يقفز بالعربي إلى منتهى التحرر واللاعبودية”.

في النهاية يدعو محيى الدين محمد النقاد ومهاجمي محفوظ إلى التمهل فى الحكم والصبر حتى “تخرج الرواية كاملة فى كتاب”.

عن أوان الصدور

في مايو 1963 سأل سعد كامل المحرر بـ” آخر ساعة” نجيب محفوظ: لماذا لم تصدر “أولاد حارتنا” حتى الآن فى كتاب؟ أجاب محفوظ: لم تنشر لأنني لم أتمكن من الحصول على تصريح من رقابة الكتب حينذاك بنشرها، ومع أن هذه الرقابة ألغيت فإن أي ناشر يخشى عرضها نظرًا لاعتراض الأزهر”. يسأله المحاور: وما مصيرها الآن؟ يجيب محفوظ: “حاولت لبنان الحصول على حق طبعها، لكنني أجلتُ ذلك لحين أن تنشر فى مصر أولا بعد أن يزول سوء التفاهم الذى أثاره الأزهر والأخذ والرد الذى دار حولها”!

كانت هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها محفوظ عن منع رسمي للرواية داخل مصر لعدم تمكنه من الحصول على تصريح من الرقابة، ثم خشية الناشرين من نشرها. بعد أكثر من عامين على هذا الحوار تساءل الروائي محمد جبريل فى مقال له بجريدة “المساء” (26 يونيو1965): “متى تصدر أولاد حارتنا فى كتاب”؟

سرد جبريل الكثير من التفاصيل مؤكدًا إحجام ناشر محفوظ عن طبع ” أولاد حارتنا” مكتفيًا بأن يعلن فى آخر كل مؤلف جديد لنجيب محفوظ أن “أولاد حارتنا” تحت الطبع، دون أن يُقْدِم على طباعتها بالفعل. وأضاف جبريل:”لعل فى حرص الناشر أن تكون “أولاد حارتنا” تحت الطبع دوما ما يؤكد أن قرارًا بعدم النشر لم يصدر، وإلا لما أَصَر أن يعلن فى نهاية كل فصل عن قرب موعد صدورها، ألا تعنى ” تحت الطبع” قرب موعد الصدور”.

اقترح جبريل حلًا بأن: “تنهض بمسئولية طبع ” أولاد حارتنا” دار نشر عامة- أي تابعة للقطاع العام مثل الدار المصرية للتأليف والترجمة والدار القومية وغيرها، فليس من المعقول أن يرفض محفوظ عرضًا مغريًا من دار نشر بيروتية بطبع “أولاد حارتنا” ويصر على أن تصدر الرواية مثل باقي أعماله فى القاهرة. وليس من المعقول أن يكون هذا هو موقف الفنان ثم لا تنهض دور نشر القطاع العام بأول واجباتها وهو تذليل عقبات النشر أمام الأدباء والفنانين وأديبنا ليس نكرة إنه واجهة مضيئة لتطور أدبنا العربي الحديث”.

طال انتظار محفوظ، لأكثر من سبع سنوات، ظل مترددًا حتى استجاب لعرض دار الآداب البيروتية، لتصدر الرواية فى ديسمبر عام 1967. يحكي سليمان فياض أنه التقى محفوظ فى جلسته الأسبوعية فى مقهى ريش، وسأله عن مصير نشر الرواية فى كتاب، أجابه محفوظ: ” يبدو أن السحار متردد فى نشرها، ولا أظن انها ستنشر فى مصر”. قال فياض: على أيه حال لديّ الناشر إذا رفضت أي دار مصرية نشر الرواية. سأل محفوظ: من؟ أجاب فياض: دار الآداب البيروتية. لم يعترض محفوظ، واتصل فياض بسهيل إدريس الذي قال: سأكون فى القاهرة خلال أسبوع من أجل الرواية، وبالفعل جاء سهيل واتفق مع محفوظ على نشر الرواية، التي مهدت لها مجلة الآداب بحملة إعلانية تحت عنوان “الرواية التي طال انتظارها”.

طوال سنوات الانتظار، لم يكن هناك قرار رسمي مكتوب بمنع نشر الرواية، الرقابة فقط لم ترفض أو توافق. وفى هذه السنوات كانت الضجة قد هدأت قليلًا، وانشغل محفوظ بأعماله الأخرى، وانشغلت الدولة بمشروعها. بين الحين والآخر تنشر الصحف دراسة هنا أو هناك عن الرواية المثيرة للجدل، لكن فى مايو 1968 أصدر مجمع البحوث الإسلامية أول تقرير رسمي بمنع الرواية، استعرض التقرير أحداث الرواية وشخصياتها، رصد التقرير:”جوانب المؤاخذة في القصة، ولا يخفف من وقعها الانتقال من الأحداث الطبيعية وشخصياتها إلى أحداث دالة وشخصيات رامزة، فإن ذلك كله لا يخفي الوجه الحقيقي لكل حادثة ولكل شخصية. كما لا يخفف من وقع هذه المؤاخذات أن ما قدمه الكاتب من حيث هو- بعيدًا عن المعتقدات والمقدسات – عمل فني ممتاز، وقد كان في مقدور الكاتب أن يخرج عمله الفني بعيدًا عن هذا السقوط”. انتهى التقرير إلى توصية:”بعدم نشر القصة مطبوعة أو مسموعة أو مرئية”.

لماذا صدر هذا التقرير فى هذا التوقيت؟ ليس لدينا إجابة مؤكدة، ولكن يشير البعض إلى أن طبعة من الرواية البيروتية تسربت إلى القاهرة، وخشى مجمع البحوث أن يطلب البعض توزيع الرواية فى مصر، فاستبق المجمع هذا الطلب بهذا التقرير.

جناحا يوليو

بعد حصول محفوظ على جائزة نوبل تجدد الجدل مرة أخرى، وخاصة أن لجنة الجائزة أشارت في تقريرها إلى الرواية باعتبارها “رواية بحث الإنسان الدائم عن القيم الروحية”. ليبدأ هجوم جديد على الرواية. في الحفل الذي أقامه الرئيس الأسبق مبارك لتكريم محفوظ ومنحه “قلادة النيل” أرفع وسام مصري، أثار عدد من المثقفين قضية منع ” أولاد حارتنا”. وقال مبارك: ليس هناك ما يمنع نشرها. وهو ما تحمس له وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني الذي أعطي تعليماته لهيئة الكتاب بالبدء فورًا في نشر الرواية ما دام لا يوجد حكم قضائي يمنع نشرها. وقد نشرت جريدة “الجمهورية” هذا الخبر في صفحتها الأولى، المدهش أن اجتماعًا لمجلس الوزراء في 30 نوفمبر 1988 ناقش موضوع طبع الرواية، وانقسم المجلس إلى فريقين. فاروق حسني المتحمس للنشر. وعلى الجانب الآخر وزير الإعلام صفوت الشريف الذي رفض طبع الرواية، وطلب عرض الموضوع على الرئيس مبارك مرة أخرى، واستقر الرأي على منع الرواية. لا يتذكر فاروق حسني هذه الواقعة، مؤكدا أنه هو من أعطي أوامره لسمير سرحان رئيس هيئة الكتاب وقتها بطبع الرواية دون تدخل من مبارك، لكن جابر عصفور ويوسف القعيد اللذين شهدا تكريم محفوظ يؤكدان على صحة الواقعة. ويبدو أيضًا أن لنظام يوليو في مراحله المختلفة جناحين، ودائما ما ينتصر العنصر الأمني اليميني، حيث أصدر مجمع البحوث الإسلامية بعد يوم واحد من اجتماع مجلس الوزراء بيانًا يجدد فيه منعه لصدور الرواية، رغم أن أحدًا لم يطلب منه أساسًا إذنًا أو يقدم له طلبا لإبداء الرأي. هل كان صفوت الشريف وراء هذا المنع الثاني. وبالتالي وراء هذا التقرير؟ لا أحد يعلم الإجابة.

إقامة المقابلة هو رغبة شخصية لنجيب محفوظ بأن يكون كاتبًا على غرار توماس مان كروائي إنساني، على أن يكف نهائيًا عن مجرد التصوير الحرفي لحياة الطبقة الوسطى فى المدينة”. لكن محيي الدين محمد نفسه يدافع عن هذا الهجوم النقدي والديني على محفوظ: ” لم يتخل محفوظ عن طبقته، لم يقفز بعمله الفني إلى المستوى الإنساني، إنه مغمور مازال فى وحل شرقنا العربي، يحاول أن يداواي أمراضه، ويشفي قروحه، والظن الساذج يرجع إلى انخداع بعض هؤلاء النقاد برموز الرواية وتسرعهم فى الاستنتاج”، وأضاف الكاتب:” استعانة الروائى بشخصيات التاريخ لا يمكن أن يفهم منها أنها محاولة للسرد، أكثر مما يفهم منها أنها محاولة لتكثيف خطأ الوسيلة التي تردى فيها الشرق أكثر من مرة بعدد الأنبياء والرسل والمصلحين الذين ظهروا فى تاريخه، إن الجواب لابد أن يكون عصريًا وعلميًا للغاية..يقفز بالعربي إلى منتهى التحرر واللاعبودية”.

معركة متجددة

رسالة قتل لا فتوى

فى يونيو 1991 كان الشيخ محمد الغزالي ضيفًا على صالون إحسان عبد القدوس الثقافي اعترف لأول مرة أنه كتب تقريرًا رفعه للرئيس عبدالناصر يعترض فيه على نشر الرواية، وشاركه فى كتابة تقارير أخرى الشيخان محمد أبو زهرة وأحمد الشرباصي. قال الغزالى إن الرواية: ” كانت ناضحة بأن الحضارة محت الدين كله”. دعا الغزالى محفوظ إلى التبرؤ من “أولاد حارتنا” معتبرًا أنه كاتب ثري ولديه أعمال رفيعة القيمة، لكن محفوظ علق باختصار على ما طلب به الغزالي: “الإنسان لا يستطيع أن يتراجع عن عمل كتبه”، وأعلن أنه على استعداد لمناقشة شيوخ الأزهر فيما جاء فى الرواية، لكن للمرة الثانية لم يكن أي من شيوخ الأزهر مستعدًا للمناقشة!

يتجدد الجدل مرة أخرى بعد أن أصدر الخميني فتوى بقتل الروائي سلمان رشدي (فبراير 1989) بسبب روايته “آيات شيطانية”. فى التوقيت ذاته سئل عمر عبدالرحمن مفتي الجماعة الإسلامية عن رأيه في رواية رشدي فأجاب: “لو أن الحكم بالقتل نفّذَ في نجيب محفوظ حين كتب “أولاد حارتنا” لكان ذلك بمثابة درس بليغ لسلمان رشدي”، وكرر إجابته تلك في العديد من الصحف وفي خطبته للجمعة بصيغ أخرى: “لو قتلنا محفوظ من 30 سنة مكنش طلع سلمان رشدي”، والغريب أن رجال الأمن المصري اتصلوا بمحفوظ، لكي يخصصوا له حراسة خاصة، فرفض قائلًا: “عبارة عمر عبدالرحمن ليست فتوى بالقتل، ولكنها جملة شرطية لأنه بيقول لو قتلنا محفوظ من 30 سنة”. بالفعل ما قاله عبدالرحمن لم يكن فتوى، كان رسالة أو إشارة لقتل محفوظ.

وهو ما استجاب له بعد خمس سنوات شاب لم يقرأ لمحفوظ حرفًا ليرتكب الجريمة في يوم الجمعة 14 أكتوبر 1994. كان محفوظ يستعد لركوب السيارة متجهًا إلى ندوته الأسبوعية وطعنه في رقبته محدثًا جرحًا غائرًا، ولاذ بالفرار إلى أن تم القبض عليه وعلى المجموعة المشاركة في الجريمة. اعترف بأنه ارتكب الجريمة بسبب “أولاد حارتنا” التي لم يقرؤها.

في تحقيقات النيابة أعاد محفوظ التأكيد على هدفه من الرواية: “أولاد حارتنا” مثل “كليلة ودمنة” ترسم عالمًا متصورًا لتوحي بعالم آخر. فنحن بين الحيوانات عايشين في غابة، لكن نحن نعرف والقارئ العادي يعرف إن قصدنا نقد البشرية ونظام الحكم والعلاقات بين الأفراد، وحكمة الحكماء، وسفاهة السفهاء. ولكن مادام التزمنا أن احنا في الغابة، فلازم يكون أبطالنا من الحيوانات، ولا نحاسب ونحن نعاملهم معاملة الحيوانات، لأننا نعامل المرموز له بالحيوان، وعلى نفس النمط أنا مشيت في “أولاد حارتنا”، بأعرض فيها لمصريين في حارة، وأسلوب حياتهم الظالم بكل ما فيه”. ويضيف محفوظ في التحقيق معه: “هؤلاء (يقصد محاولي قتله) لا يقرؤون القصص الأدبية بعين أدبية أو إنسانية تريد أن تعرف الحقيقة وصراع الخير والشر، المهم في نظرهم أن العمل يكون خاضعًا حرفيًا لتعليمات الدين، وحتى في ذلك هم يغالون، لأن الدين نفسه عرض قصة الخير والشر، وقصة عصيان إبليس على الذات الإلهية، وروايات كلها تدور حول مفاهيم واضحة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون القصد منها التعرض لأي دين من أديان السماء، أو الازدراء به والقول بانني كافر أو مرتد فيه افتراء”.

بعد أن أدلى محفوظ بأقواله طلب منه رئيس النيابة أن يوقع على أقواله، لكن اليد المصابة لمحفوظ لم تستطع إمساك القلم، فاضطر وكيل النيابة أن يأخذ البصمة.

الحادث، كان بداية لكي تخرج الرواية إلى النور فى طبعة مصرية، فقامت جريدة “الأهالي” بنشرها كاملة فى أحد أعدادها، وهو ما استنكره محفوظ، لكن كان النشر بداية لكسر الصمت. إذ ظل محفوظ على موقفه، متمسكًا برفض النشر في مصر تنفيذًا لما تمّ الاتفاق عليه مع حسن صبري الخولي، معترضًا على قيام بعض الجرائد بنشر الرواية دون الرجوع إليه، فيما بعد ومع تكرار محاولات نشر الرواية فى مصر بدون إذنه، اشترط موافقة الأزهر، وأوضح موقفه: “أولاد حارتنا، رواية إسلامية إيمانية مظلومة، وهذا ما جعلنى لا أوافق على نشرها فى مصر إلا بعد موافقة الأزهر عليها، أي بعد اتفاق الأزهر معي في فهمي لها، ولماذا أشترط ذلك؟ لأنني لست ضد الدين، ولا ضد الأزهر، ولو كنت ضده، ولو كانت الرواية ضده، لدخلت فى تحد للأزهر، ولسعيت لنشر الرواية رغمًا عن الأزهر، لكننى لست كذلك، فأنا لست ضد الأزهر، ولا ضد الدين، فأنا أزهري المولد والمنشأ، إننى أزهرى مدنى!”.

رغم حرصه على موافقة الأزهر، إلا أنه رفض بإصرار طلب البعض بأن يتقدم بطلب للأزهر لكي يعيد فحص الرواية، واعتبر ذلك ” سابقة خطيرة ضد الإبداع وحريته”!

وبعد الحادث زاره محمد الغزالي الذي كتب أول تقرير طالب فيه بمنع الرواية. كما طلب خالد محمد خالد أن يكتب مقدمة لها. وبالفعل التقى بمحفوظ وسأله عدة أسئلة عن الرواية وأجابه محفوظ عن ظروف النشر، وكيف فهمها الأزهر، قال محفوظ: ” الأزهر قرأها باعتبارها تاريخًا وليس كونها عملًا فنيًا”. وأوضح:” إنك حين تكتب عملًا أدبيًا فإنك قد يكون لك فكرة وتكون للقارئ فكرة أخرى، وللناقد فكرة ثالثة، والله أعلم أيها الصحيح، لكن تلك هي سمة الفن فهو يشع بالمعاني ولا يتوقف القارئ عن اكتشاف معان جديدة فيه كلما قرأت، لكن الكتب الفكرية كتب ذات معنى واحد محدد، والبعض نظر إلى أولاد حارتنا ككتاب فكري، وهكذا ضاعت معانيها، لأنها لم تقرأ كرواية ولم تفهم إلا بمعنى واحد محدد”.

محكمة لأول مرة

فشلت عملية اغتيال نجيب محفوظ، ونجا من الموت بإعجوبة. بعد أسابيع قليلة على خروجه من المستشفى، وقبل أن يتعافى تمامًا، وجد نفسه متهمًا ومطلوبًا في القضية (رقم 1787 لعام 1995 جنايات المنصورة)، وكان أحد المحامين قد أقام دعوى ضد محفوظ يتهمه فيها بإزدراء الأديان، وإضافة اسم جديد إلى أسماء الله الحسنى وهو “الجبلاوي”، وهي تهم تستوجب الحبس والغرامة، بل والتفريق بينه وبين زوجته قياسًا على ما حدث لنصر أبوزيد.

كانت هذه هي المرة الأولى التي تذهب فيها ” أولاد حارتنا” إلى المحكمة، رغم كل الجدل الذي أحدثته فقد ظل جدلًا مكتوبًا في مقالات أو بيانات رسمية تصدر من مجمع البحوث الإسلامية، أو اتفاقات بعدم النشر داخل مصر. تكنيك جديد إذن اعتمد فيه المحامي على ما نشرته جريدة الأخبار بأن محفوظ عندما أفاق من التخدير سأل زوجته عن موعد إجراء الجراحة له. فقالت له: لقد تمّ إجراء الجراحة، فضحك محفوظ وقال: “إذن الجبلاوي راضي عني”. حسب تحقيقات النيابة، لم يقرأ المحامي “أولاد حارتنا”، مثله مثل من حاول اغتيال محفوظ، بل قال في التحقيق:”حاشا لله أن أقرأها لما تنطوى عليه من خروج”!

ترافع عن محفوظ طوال الجلسات محاميه الشخصى أحمد السيد عوضين، الذي نشر تفاصيل المحاكمة والمرافعة في كتابه “محاكمة أولاد حارتنا”. الغريب أن المحكمة لم تبرِئ نجيب محفوظ، لكنها قضت، بعد خمس جلسات على امتداد الفترة من 23 مايو وحتى 30 نوفمبر 1995، بعدم قبول الدعوى لانتفاء شرطى المصلحة والصفة وألزمت المُدعي بالمصروفات. عدم براءة محفوظ يفسره محاميه بأن “القانون يوجب على المحكمة ألا تتصدي للحكم في موضوع أية دعوى إلا بعد أن يقضي في الدفوع الشكلية، أو بعبارة أخرى أن الحكم لا يعرض للموضوع إلا بالنسبة لدعوى مقبولة شكلًا، فإذا شاب الشكل عيبًا يجعل الدعوى غير مقبولة. توقف القضاء عند ذلك وحكم بعدم قبول الدعوى لثبوت ذلك النقص الشكلي في شروط قبولها، وعلى رأسها انتفاء شرط المصلحة بالنسبة للمُدعي!”.

سؤال دائم

لم يهدأ الجدل حول “أولاد حارتنا” فى أي وقت من الأوقات، كانت محورًا رئيسيًا فى كل لقاءات نجيب محفوظ مع ضيوفه، العرب والأجانب، فى الحوارات الصحفية التي أجريت معه، لابد من السؤال عن الرواية “المحرمة”..تنشر أو لا تنشر؟ كان السؤال سؤالا سنويا؟ فضلًا عن أسئلة أخرى عن “تأويل” الرواية..ومقاصد محفوظ منها. محفوظ كان حريصًا على أن يترك تأويل أعماله للنقاد، لم يتحدث عن أي عمل مفسرًا أو موضحًا، وحدها “أولاد حارتنا” حظيت بجانب كبير فى حواراته وأحاديثه بتأويله.

مبكرًا، حاورت مجلة “حوار” اللبنانية ( إبريل 1963) نجيب محفوظ عن الرواية، التي وصفها المحاور بأنها لا تضيف جديدًا للفلسفة الإنسانية، الجديد هو إضافتها هذا الشكل الفني إلى الأدب العربي. محفوظ أجاب بهدوء: “أولاد حارتنا” لا تضيف جديدًا إلى الفلسفة الإنسانية. هذا حق ولكنني متى أدعيت أنني فيلسوف بالمعني الحقيقي، لهذه الكلمة؟ الفيلسوف هو الذي يضيف جديدًا للفلسفة الإنسانية، أما الأديب المتفلسف فهو الذي يعبر تعبيرًا فنيًا عما يأخذه من هذه الفلسفة. وهو يفيد الفلسفة بذلك، لأنه يحولها إلى تجربة حية تعيش في النفس البشرية، بعد أن كانت معادلة عقلية يختص بها الفلاسفة وتابعوهم. ماذا أضاف شكسبير أو جوته، أو إبسن أو شو إلى الفلسفة الإنسانية؟ لا شىء. الأدب لا يخلق الفلسفات، ولكنه يعالجها. وإذا وجد أدب، وفى الوقت نفسه أضاف جديدًا للفكر، فذلك لأن مؤلفه فيلسوف وأديب معًا، مثل سارتر”. حاول محفوظ أن يقدم رؤيته للشكل الفني الذي اختاره إطارًا لفكرته فى الرواية قال: “لكن ما هو الشكل الفنى لـ ” أولاد حارتنا”؟ لعله- أقول لعله – شيء نقيض ما فعل سويفت فى رحلته المشهورة. فقد نقد الواقع عن طريق الأسطورة. أما هنا، فأنا أنقد الأسطورة عن طريق الواقع. لقد ألبست الأسطورة ثوب الواقع لتزداد للواقع فهمًا وأملًا”.

كما كان هناك لقاء نادر حدث بين الراحلين نصر أبو زيد ونجيب محفوظ، في أحد أيام ديسمبر 2003. يومها زار أبو زيد القاهرة بعد 8 سنوات من النفي إلى هولندا. جاء نصر ليحتفل بعيد ميلاده الستين ويسوّي أوراقه في جامعة القاهرة. في تلك الزيارة، طلب نصر من بعض أصدقائه لقاء نجيب محفوظ، كان نصر قد تردّد على ندوة محفوظ في مقهى ريش، لكنّهما لم يتبادلا حديثًا منفردًا. فى اللقاء كان نصر مهمومًا بـ “أولاد حارتنا”، وانصبت أسئلته كلها حول هذه الرواية ” الإشكالية”. سأله بداية عن رواية “الحرافيش” هل كانت صيغة أخرى من “أولاد حارتنا”؟ نفى محفوظ ذلك، قائلًا: “إنهما روايتان منفصلتان، ثمّ بدأ محفوظ يحكي عن لقاء جمعه بأحد شيوخ الأزهر:”جاء لزيارتي في مقهى علي بابا قبل جائزة نوبل، وتناقشنا طويلًا في رواية “أولاد حارتنا”، وبعدما اقتنع الشيخ بتفسيري للرواية، أخرج من جيبه كراسًا وقال :”أنا كاتب مسرحية عايزك تقرأها وتقولي رأيك”. سأل أبو زيد: “لماذا حدثت ضجة عقب نشر “أولاد حارتنا” ولم تحدث الضجة نفسها عندما كتب توفيق الحكيم روايته “أهل الكهف؟”، فأجاب محفوظ: “قد يكون اختلاف الزمن هو السبب، أو قد يكون الحكيم نجح في شرح فكرته أفضل منّي”. وتحسّر محفوظ على الجو الليبرالي في العشرينيات والثلاثينيات، عكس ما هو سائد هذه الأيام. عدّ “أولاد حارتنا” امتدادًا لتيار الإصلاح الديني كما أرساه محمد عبده. بدت أسئلة أبو زيد كأنّها تصبّ في رغبته في معرفة أسرار أزمة “أولاد حارتنا”. هل كان في صدد كتابة شيء عن المصادرة حينها أم عن نجيب محفوظ؟ المهم أنّ محفوظ استفاض يومها في الحديث عن الرواية، وما جرى يوم زار جمال عبد الناصر جريدة “الأهرام” وسأل محفوظ عن ماذا يكتب الآن. فأجاب محمد حسنين هيكل عنه: “رواية تودّي في داهية”، ضحك عبد الناصر وقال: “تودّيك أنت”. ثم تحدث أبو زيد باستفاضة عن أزمته مع الجامعة، وكان محفوظ ينصت باهتمام، ويقطع الحوار أحيانا بـ”قفشة” من قفشاته الساخرة. بعد ثلاث سنوات، كتب في وداع محفوظ مقالا بعنوان “المقاوم العظيم”، موضحا أن “أولاد حارتنا” كانت “التعبير الأدبي عن تيار عميق الجذور في الفكر العربي المصري الحديث، وهو تيار يمتد إلى محمد عبده رائد الإصلاح الديني الحديث بلا منازع”.

وفى عام 2005..ذهب عضو مكتب جماعة الإرشاد عبد المنعم أبو الفتوح إلى نجيب محفوظ ليهنئه بعيد ميلاده، وكانت أيضا “أولاد حارتنا” حاضرة فى المناقشات. أبوالفتوح قال إنه جاء ليهنئ محفوظ بشكل شخصى، لا يعبر عن الجماعة، وأنه مع نشر “أولاد حارتنا”، بل يلوم محفوظ أنه يشترط موافقة الأزهر قبل نشر الرواية، محفوظ استمع وقال:” إنه ضد موافقة جهات دينية على نشر الإبداع، لكن ” أولاد حارتنا” حالة خاصة..حالة خاصة جدا!”.

بالفعل، هى “حالة خاصة”، ” أولاد حارتنا” ليست مجرد رواية يطرح فيها نجيب محفوظ الأسئلة حول العدل والحرية، بل هي حكايتنا مع السلطة، والرقابة. حكاية المجتمع نفسه وصراعه للتفكير خارج الصناديق الضيقة، وخارج الخطوط الحمراء. هي الكتاب الرمز.. رمز لمعركة ثقافية وإجتماعية وسياسية، تتخذ كل فترة شكلًا جديدًا ومثيرًا، فقد طال المنع عشرات الأعمال قبلها، وعشرات الأعمال بعدها. احرقت كتب، وخرجت مظاهرات تطالب بإعدام مؤلفين، وخطب خطباء علي المنابر، وتدخلت السلطة لتمنع..ولكن رواية محفوظ ظلت هي النموذج الأكمل لفكرة المنع..الذى يدفع صاحبه الثمن مرات ومرات. منعت بقرار رسمى، لكنها ورغم ذلك ظلت تباع علي الأرصفة في نسخ شرعية أحيانا، ومزورة أحيانا أخري، وتنشر الجرائد القومية والخاصة فصولا منها بين الحين والآخر..وتصرح السلطة بنشرها، ثم تعود لتمنع النشر، وتتحول في الإذاعة الرسمية إلي مسلسل يومي.. وهكذا!

أسئلة كثيرة غامضة حول العمل وإجابات تزيد الأمر غموضًا..هكذا ظلت الرواية في دائرة الضوء، منذ نشرت مسلسلة في جريدة الأهرام وحتي بعد رحيل محفوظ (2006) عندما صدرت الرواية بمقدمة كأنها صك براءة لاهوتية لعمل فني خيالي. بين الحدثين جرى فى الكواليس وعلى خشبة المسرح حكايات بأبطال عديدين: رؤساء ومسئولون ورجال مخابرات وكتاب وشيوخ، وقتلة. مع “أولاد حارتنا” حسم محفوظ أمره بالإخلاص لمهنة الكتابة، رغم ما ستجره عليه من مشاكل، كتب وسجل الحكايات التي يتناقلها شعراء الربابة، أو يرويها الرواة الشعبيون، سجلها الرواى لأن أحد أصحاب عرفة أوصاه بذلك: “أنت من القلة التى تعرف الكتابة، فلماذا لا تكتب حكايات حارتنا؟ إنها تروى بغير نظام، وتخضع لأهواء الرواة وتحزباتهم، ومن المفيد أن تسجل بأمانة فى وحدة متكاملة ليحسن الانتفاع بها”. سجل الرواى/محفوظ الحكاية الشفهية المتوارثة ليحكى عن حلمه، حلم البشرية بأن تمضى الحياة فى الحديقة والناي والغناء، وأن تشهد حارتنا مصرع الطغيان، ومشرق النور!


انشغال بلص

اللص المجهول الذي سطا على فيلا أمير الشعراء في اليوم الذي بدأ فيه نجيب محفوظ نشر “أولاد حارتنا” لم يعد مجهولًا، فقد سطا بعد أيام على فيلا أم كلثوم، وتمكن البوليس من القبض عليه، وحكى في التحقيقات أنه ارتكب 58 جريمة. ولكنه تمكن من الهرب قبل محاكمته!

وبعد شهور قليلة. كانت الصحف تتتبع خطوات اللص: محمود أمين سليمان، تفتش في تفاصيل حياته وعلاقاته، وتاريخه، وعائلته، وزواجه الفاشل. “السفاح” أصبح لقبًا له. إذ لم يعد لصًا يسرق بيوت المشاهير وإنما قاتل أيضا. قاتل بحثًا عن العدالة كما قال. حكاية محمود أمين سليمان كانت الموضوع الرئيسي لكل الجرائد في مصر، باعتبارها قضية رأي عام. على مدى ثلاثة شهور تقريبًا. الصحف تفتش في حياة اللص، الذي تحول كما كتبت جريدة “المساء”: “في خيال بعض الناس إلى أسطورة شعبية”. في اليوم الذي تمكنت فيه الشرطة من محاصرة اللص في إحدى مغارات حلوان. طلب سليمان من محاصريه أن يسلم نفسه بشرط أن يأتي له البوليس بزوجته سبب مأساته، ثم طلب بعد ذلك أن يأتوا له بالكاتب الصحفي رئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل، ثم طلب أيضًا أن يأتوا له بورق أبيض لأنه يريد أن يكتب مذكراته. الغريب أن الشرطة فتشت آخر شقة أقام فيها اللص في شارع محمد على، لتجد رسالة موجهه إلى رئيس تحرير الأهرم. كتبها سليمان في كراسة مدرسية، ونشر هيكل نصها في الصفحة الأولى من الأهرام. طلب اللص منه أن ينشر له الأهرام سيرته الذاتية، في حلقات، بل كتب اللص عناوين الحلقات: “محمود أمين يتكلم بعد صمت ويخص الأهرام بهذه الرسالة” وشرح لهيكل بأسلوب روائي مَلِيء بالأخطاء اللغوية دوافعه للسرقة، وخيانة زوجته له”. ونفى عن نفسه أن يكون ” سفاحًا، بل مجرد إنسان منكوب بخيانة زوجته”.

نشر هيكل الرسالة كاملة. لتنتهي قصة “السفاح” صحفيا. مع صخب هذه الأحداث، كان هناك “عقل” آخر يتتبع، ويربط الحوادث والدوافع. يتابع الرسائل، وينشغل بها. لم يتوقف نجيب محفوظ كثيرًا أمام الصخب والضجيج الذي أحدثته “أولاد حارتنا”. المعركة حولها لم تشغله طويلًا، فقد كان مشغولًا بالسفاح، أو اللص الغامض، والذي سيكون فيما بعد بطلًا لروايته “التالية”، حتى إن الكاتب يحيي حقي سأله في تلك الأيام: “ماذا تقرأ هذه الأيام وما يشغلك؟” فأجابه: “لا شغل ولا تفكير إلا في محمود أمين سليمان”.

إذا كان همّ محفوظ في “أولاد حارتنا” كان الوصول إلى “مصرع الطغيان، ومشرق النور والعجائب”. فإنه حاول أن يختبر ذلك في “اللص والكلاب” التي كانت إعادة كتابة لـ “أولاد حارتنا”. هي قصة واحد من أبناء الحارة، باحث عن العدالة، مستخدمًا نبوته الخاص منفردًا للوصول إلى العدالة. ولكن دون أن يقدم بديلًا فيكون مصيره الفشل. أعمال محفوظ التي تلت “أولاد حارتنا” لم تكن سوي حكايات أخرى عن الحارة. أو حكايات عن أبنائها، لكن في رحلة بحثهم عن “النور”. متأخرًا اعترف محفوظ بذلك، قبل أيام من افتتاح مكتبة الإسكندرية سألته: هل يتوقع أن تضم المكتبة الكتب الممنوعة. ضحك يومها وأجاب: “على أيامنا كان فيه كتب ممنوعة، يعنى أنا مكنتش عارف أقرأ كتاب “الإشتراكية” لسلامة موسي، وكان موجود فى دار الكتب، ولكن استعارته ممنوعة حتى داخل المكتبة نفسها”. سألته: ألم تفكر أن تحصل على الكتاب من سلامة موسي نفسه وقد ربطتك به علاقة صداقة؟ أجاب: “لا، لأن سلامة موسي عبر فى مجلة “المجلة الجديدة” عن الأفكار الموجودة فى الكتاب، لكن بأسلوب آخر.” أسلوب آخر، ربما كان ذلك درسًا آخر تعلمه محفوظ من سلامة موسى، أنه يستطيع أن يقول ما يشاء، عليه فقط أن يغير الأسلوب إذا وجد أن أسلوبه الأول غير مفهوم، أو مثير للجدل. وهذا ما فعله محفوظ، كانت “اللص والكلاب” صفعته لمن تآمروا على “أولاد حارتنا”، هي إعادة كتابة لها. وهو ما أدركته “الرقابة” وقتها، وكادت أن تمنعها!

 

المساهمون

ميجو

ميجو

رسام

تعليق واحد

  • محمد غنيم

    هل تقدمنا أم عدنا الي الوراء؟
    بعد قراءة هذا السرد الجميل لتاريخ تلك الفترة يراودني هذا السؤال. مستوي من الرقي في التعامل واحترام عقول القراء من الصحفيين والأدباء. لا أستطيع منع نفسي من المقارنة بصحافة هذا العصر والسؤال هل تعود مصر للوراء؟ اذا كانت هذه ثقافتنا في الخمسينات فماذا لو كملنا علي نفس الطريق وما الذي حدث حتي نصل للمستوي الحالي من الادب والفن والموسيقي … الخ.
    ملحوظة: انا لست شيخا كبيرا يعاني من النوستالجيا , فأنا في الثلاثينيات ولكن لأني لم أعش الا في هذا العصر البائس أتساءل دائما , ماذا حدث لمصر؟؟

    January 6, 2017

انشر تعليقك