كيف كانت القاهرة حينما مَنَّعَت أولاد حارتنا؟

محمد شُعير محمد شُعير

يبحث محمد شعير عن حكاية نشر رواية ``أولاد حارتنا`` لنجيب محفوظ (1911-2006).
ماذا جرى حينما نشرت في صيف العام 1959؟ كيف قرأ المصريون نصوص الرواية على صفحات الأهرام في آخر شتاء بالخمسينيات، بل كيف تلقت المدينة رواية كاتب القاهرة الأبرز؟
ولد محفوظ بالقاهرة، وعاش سنوات حياته داخل شوارعها، سجل حكايات صراع سكانها مع الوجود والسياسة والزمن.
خلال هذه الأزمة كان محفوظ رقيبًا على السينما، وترك المنصب بعدها.
حينما نشرت فصول روايته على صفحات الجريدة مصحوبة برسوم للفنان الحسين فوزي (1905-1999) صار الرقيب ضحية لرقابة مارستها المؤسسة الدينية، وهجوم شَنّه كُتّاب. كتبت تقارير سرية ونشرت تقارير أخرى توصي بعدم نشرها على مدار السنوات. جدل فَسَرَ الرواية بشكل يهدد حياة الكاتب وأمنه.
رغم الضجة الممتدة عبر السنوات لم تكن المسألة بالنسبة لمحفوظ إلا أزمة قراءة، لكن هؤلاء القراء، الرافضين لرؤية نجيب، كانوا يملكون من القوة ما يجعل نشر هذه الرواية أمرًا مستحيلًا.
يرسم صاحب ``كتابات نوبة الحراسة.. رسائل عبد الحكيم قاسم`` (ميريت، 2010) شكل المدينة في العام 1959، كيف كانت أوضاعها وفنونها كذلك ؟
يرصد في رحلته للبحث عن أسباب أزمة أولاد حارتنا فنون قضاء السهرات في ليل المدينة أواخر الخمسينيات. غنت أم كلثوم (1898-1975) للجيش من كلمات طاهر أبو فاشا ومن ألحان رياض السنباطي، ولحن الأخير في العام نفسه للسيدة ``هجرتك يمكن أنسى هواك`` من كلمات أحمد رامي. كما راجت أغنية للثلاثي المرح ``أهو جه يا ولاد``، حيث غنت كل من سهام توفيق، صفاء لطفي وسناء الباروني بمناسبة حلول شهر رمضان في هذا العام ليستمر صداها لعقود تالية.
كما عرضت دور السينما 23 فيلمًا مصريا كان من ضمنها ``بين السماء والأرض`` (صلاح أبو سيف) و``إحنا التلامذة`` (عاطف سالم)، وقد كتب محفوظ الفيلمين الأخيرين.
والآن لنتابع رحلة بحث شعير عن أولاد حارتنا مع رسوم للرسام ميجو مصحوبة بوثائق وحكايات وصور لقاهرة نهاية الخمسينيات، لنرى كيف كانت الحياة ومراكز القوى في هذه المدينة؟

كاتب يتغير

migo

رسالة غاضبة

2

كيف يقرأ المشايخ الأدب؟

3drawing

مَن منع الرواية؟

3

معركة متجددة

5

كاتب يتغير

الرسوم لميجو

 ضد أتباع جيمس دين

 

الإثنين

21 سبتمبر 1959

درجة الحرارة في القاهرة أقرب إلى البرودة، سحب خريفية تغطي الدلتا. الشيوعيون في سجون عبد الناصر، وحملات إعلامية مخططة لتشويههم. لص مجهول يسطو على “كرمة ابن هانئ” بيت الشاعر أحمد شوقي على نيل الجيزة. المسروقات عبارة عن نخلة من الذهب أهداها أمير البحرين لشوقي احتفالًا بتنصيبه أميرًا للشعر العربي، وكأس من الفضة هدية من الاتحاد النسائي برئاسة هدى شعراوي.

عناوين الجرائد الرئيسية تتحدث عن مظاهرات حاشدة في العراق ضد عبدالكريم قاسم، بعد تنفيذ أحكام الإعدام فى عدد من قادة “ثورة الشواف”. كانت جريدة “أخبار اليوم” قد قادت الهجوم الأعنف، وأطلقت على “قاسم” قبل أيام لقب “نيرون بغداد”، ونشرت نصًا تحت عنوان “الكتاب الملعون”، زاعمة أن “قاسم” يتبنى أفكار الكتاب، الذى يطعن في الدين الإسلامي، ومدعية أن الكتاب من تأليف جهات مخابراتية سوفيتيية، ثم خصصت صفحة كاملة للداعية عبدالرازق نوفل ليفند ما جاء في الكتاب من أفكار.

على المستوي الدولي اهتمت الجرائد بأول زيارة لزعيم سوفييتي إلى الولايات المتحدة، حيث ألقي نيكيتا خروتشوف خطابًا في الأمم المتحدة، طالب فيه “بإلغاء الجيوش من كل دول العالم وإلغاء وزارات الدفاع والكليات العسكرية، والاكتفاء فقط بمجموعات صغيرة لحفظ الأمن الداخلي”. كما تواصل “الأهرام” اهتمامها الذى بدأ قبل أسبوعين بتغطية وصول الصاروخ الروسي إلى القمر، مدشنًا بذلك عصرًا جديدًا من العلم والمعرفة.

عدد من الجرائد تواصل حملتها ضد من اسمتهم “أتباع جيمس دين”. وهم مجموعة صغيرة من الشباب المصري المعجب بالممثل الأمريكي (1931 – 1955) الذي أصبح سريعًا جدًا – وقبل أن يكمل عامه الرابع والعشرين نجمًا عالميًا، وجعله أداؤه لشخصية “جيم ستارك” في فيلم “متمرد بلا قضية” 1955، أيقونة للشباب، وأفضى عليه مصرعه الفاجع فى حادث سير هالة أسطورية، فراح هؤلاء الشباب يقلدونه فى مظهره وملابسه. الحملة تتهم الشباب بالتمرد على جيل الآباء، وممارسة رقصة مستهترة تسمي”تشا تشا”، وتدخين السجائر وإطلاق شعرهم بلا تهذيب.

جيمس دين(1931-1955)James Dean

وصم خطباء مساجد هؤلاء الشباب بالفساد والانحلال، كما طالب صحفيون وسياسيون بتجنيدهم فى الجيش لتهذيبهم وتعليمهم الرجولة. لقى كل هذا الضجيج صدى لدى عبدالحكيم عامر فتقدم للتصدي لهذه الظاهرة، موجهًا – باعتباره وزيرًا للحربية – رجال من البوليس الحربي باستيقاف وحلق شعر رأس كل من يجدونه فى الأماكن العامة يرقص “تشا تشا” أو يغني أغنية عبد الحليم حافظ “أبو عيون جريئة”.

نشرت الجرائد صورًا لجمال عبدالناصر وبصحبته عبد الحكيم عامر يطلان لتحية الجماهير من نافذة قطار كانا يستقلانه عائدين من مدينة رشيد إلى القاهرة، وكان عبدالناصر قد ألقى قبل يومين خطابًا في “رشيد” ضمن الاحتفال بذكرى انتصارات المدينة على الجيش البريطاني (1807)، العناوين تركز على تصفية الإقطاع وتوزيع قطع من الأراضي الزراعية على الفلاحين، وإطلاق “مشروع ناصر لتمليك الماشية للفلاحين”.

في القاهرة، كان المسرح القومي يقدم “العشرة الطيبة”، وفرقة الريحاني تقدم “حكاية كل يوم”، وسلسلة “كتابي” تصدر ترجمة عربية لرواية باسترناك “دكتور زيفاجو” في جزءين، وسلسلة مكتبة الفنون الدرامية تصدر ترجمة لمسرحية تينسي وليامز “قطة على صفيح ساخن”، ورياض السنباطي انتهي من تلحين “الحب كده” التي ستفتتح بها أم كلثوم موسمها الغنائي، وأحمد بهاء الدين يكتب من استوكهولم عن مسرحية سارتر”سجناء التونا”. المسرحية التي “تهز أوروبا كلها”، ويعدها “أخطر عمل فني منذ نهاية الحرب العالمية”. في جريدة “الأخبار” يحاور ناصر الدين النشاشيبي البروفيسور “ستن فريبرج” عضو مجلس إدارة جائزة نوبل الذي يعلن أن: “الجامعات العربية مسئولة عن عدم ترشيح أي عربي لجائزة نوبل”. دور السينما كاملة العدد، أفيشات الأفلام الجديدة تحتل مساحة كبيرة من إعلانات الصحف، يمكن أن نرصد في ذلك اليوم أكثر من 15 فيلمًا أجنبيًا من بينهم “حسناء النهر” لصوفيا لورين، ” ذو الوجه الأصفر” لبوب هوب وجين رسل، “أعظم مغامرات طرزان”، ونفس العدد تقريبًا للأفلام المصرية، منها “عاشت للحب” لزبيدة ثروت، “الحب الأخير” لهند رستم وأحمد مظهر، “البوليس السري” لإسماعيل يس، وفيلمين شارك فى كتابة السيناريو لهما نجيب محفوظ، هما “إحنا التلامذة” من إخراج عاطف سالم، و”بين السماء والأرض” من إخراج صلاح أبو سيف.

الواقع يتداخل فنيًا وفكريًا وسياسيًا. دعاية أحدث أفلام محفوظ تدعو لتهذيب أتباع جيمس دين

عهد جديد للأدب

 

في صفحتها العاشرة، بدأت جريدة “الأهرام” نشر أول حلقة من رواية نجيب محفوظ الجديدة “أولاد حارتنا”، وجاء في الصفحة الأولى للجريدة: “اتفقت الأهرام مع نجيب محفوظ كاتب القصة الكبير على أن ينشر له تباعًا قصته الجديدة الطويلة. إن نجيب محفوظ هو الكاتب الذي استطاع أن يصوّر الحياة المصرية تصوير فنان مقتدر مبدع، ولذلك فإن قصصه كانت حدثًا أدبيًا بارزًا في تاريخ النهضة الفكرية في السنوات الأخيرة. لقد وقع الأهرام مع نجيب محفوظ عقدًا يصبح للأهرام بمقتضاه حق النشر الصحفي لقصته الجديدة مقابل ألف جنيهًا. الأهرام لا يذكر هذا الرقم – وهو أكبر مبلغ دفع في الصحافة العربية لقصة واحدة – تفاخرًا أو إدعاءً، وإنما يذكره ليسجل بدء عهد جديد في تقدير الإنتاج الأدبي”.

الواقع يبدو متداخلًا فنيًا وفكريًا وسياسيًا، محفوظ يكتب سيناريو “إحنا التلامذة” عن قصة لتوفيق صالح، وكامل يوسف، ودعاية الفيلم الذي قام ببطولته عمر الشريف، وشكري سرحان، ويوسف فخر الدين مع تحية كاريوكا، ركزت على اعتباره “فيلم كل شاب وكل فتاة، كل أب وكل أم، كل أسرة وكل بيت. يحارب الميوعة ويدعو للقوة والبناء”. وهي العبارة التي كتبت بخط واضح على “أفيش” الفيلم، وبدت كأنها امتداد لحملة تهذيب “أتباع جيمس دين”. العارفون بمحفوظ وتقاليد السينما يرجحون أن العبارة لا تخص محفوظ، بقدر ما تخص المنتج حلمي رفلة، الذي تحدث عن الفيلم في مجلة “الجيل” باعتباره جزءًا من رسالة ” ضد أشباه جيمس دين بعد أن تعددت مظاهر ميوعتهم وكثرت حوادث انحرافهم، ما أدى إلى تدخل بوليس الآداب، وبعد أن دفعهم الحرمان إلى طريق الألم. طريق الشر”. رفلة قال إنه اختار نجيب محفوظ لكتابة السيناريو لأنه “عُرف بعمق دراسته، وقوة تصوّيره للشخصيات وبراعته في التعبير عن احاسيسها وانفعالاتها”. الفيلم الثاني الذي عرض متزامنًا مع نشر “أولاد حارتنا” هو”بين السماء والأرض” من إخراج صلاح أبوسيف، عن قصة لمحفوظ، وشارك أبو سيف في كتابة السيناريو، الذي يمثل نقلة في سينما محفوظ من الواقعية إلى الانفتاح على الرمز، كما في “أولاد حارتنا” التي تخلي فيها عن “الواقعية الصريحة” التي بلغت ذروتها في “الثلاثية”. يطرح الفيلم أسئلة فلسفية معلقة لا يمكن الوصول إلى إجاباتها، ربما مثل أبطال الفيلم العالقين بين السماء والأرض. بصمات محفوظ واضحة بقوة كسيناريست يبدع في البحث عن حلول فنية لمحدودية المكان (أحداث الفيلم تدور داخل مصعد) وهي معضلة فنية نجح محفوظ، كروائي، في تخطيها، بل والاجادة فيها سواء في” زقاق المدق” الرواية التي تدور أحداثها في حارة ضيقة أو فيما بعد في “ثرثرة فوق النيل” التي تدور أغلب أحداثها في عوامة على النيل. بخلاف المكان المحدود الذي تخرج منه عوالم نابضة بالحياة، يثير محفوظ طوال الفيلم أسئلة فلسفية عن الحدود بين الواقع والخيال، عن الخطيئة. الموت، الحياة، العقل، والجنون. شخصيات الفيلم في المكان المغلق المحدود تمثل ربما أطيافًا من المجتمع بتنوعهم وبتناقضاتهم: فهناك الارستقراطي (الأكثر رقة)، المجنون (الأكثر عقلًا في المكان)، الفنانة التي تستعد لتصوير فيلمها الجديد، اللص الصغير، والآخر الكبير، البواب، المرأة الحامل التي تلد في نفس اللحظة التي يموت فيها مختنقًا عجوز مريض، الزوجة الخائنة، والمتحرش.

خارج المصعد ـ أي خارج الأحداث- عوالم أخرى، لكنها ليست منفصلة عما يدور داخل المصعد. ربما كان أهمها مشاهد الفيلم الذي يتم تصويرها (داخل الفيلم الأصلي)، حيث ينتظر المخرج بطلة فيلمه لتصوير مشاهدها. ومن ضمن هذه المشاهد رجال أمن يؤدون دورهم، وتتصور العصابة التي ستسرق إحدى الشقق أنهم رجال أمن حقيقيون، وتبدأ معركة غير متكافئة. يصرخ المخرج:”دي سينما يا بني آدم مش لعبة. افهموها بقي”، بينما ينهال عليهم الرصاص الحقيقي، الذي لم يكن متفقًا عليه. ما الفرق بين الواقع والخيال؟ بين الواقع والسينما؟ ربما كان هذا هو سؤال الفن الرئيسي.

ربما أيضًا كانت رسالة أبوسيف ومحفوظ وتصورهما للفن. لا يبقى الحال على ما هو عليه، يتمّ إنقاذ الجميع، بعد أن يكونوا قد اقتربوا من الموت، قربًا يدفعهم لمراجعة سلوكهم وخططهم السابقة والتفكير فى “التوبة”، و”الاستقامة”، لكن أحداث الفيلم تنتهي بعودة الغالبية العظمى إلى طريقها السابق، وكأن “الرسالة” أن الاقتراب من الموت لا يغير كثيرًا في الأشخاص.

نهاية الفيلم، واحدة من أجمل النهايات في السينما المصرية. هند رستم بطلة الفيلم الذي يتم تصويره داخل الفيلم تقول للمخرج:”دي القصة اللي تستاهل إننا نعملها فيلم مش القصة اللي بنعملها”. المخرج (داخل الفيلم) يرد عليها: بس دا فيلم اتعمل وأنا شفته وكان بطولة هند رستم. وإخراج أبو سيف.. أي أننا نجد أنفسنا أمام لعبة فنية من ألعاب محفوظ وأبوسيف، لكنها لا تخلو من الرسالة السياسية، حيث يحلمان بذوبان الطبقات. المدهش أن الفيلم عندما عرض للمرة الأولى لم يلق ترحيبًا من النقاد، هاجمه تقريبًا كل الصحفيين بحجة أن تجربة الموت تجربة”جد” لا تستحق الهزل كما فعل بها أبوسيف ومحفوظ أو أن”المخرج والمؤلف صَبَا ماءً ساقعًا على رؤوس المتفرجين”حسب تعبير موسى صبري في مقالته النقدية عن الفيلم. ألم يدرك النقاد وقتها أن` أبوسيف ومحفوظ كلاهما كان يلاعب الموت!

في دور العرض: بين السماء والأرض

أمنية محفوظ تتحقق

 

فلاش باك:

21 ديسمبر- 1957 :

في مجلة الإذاعة حاور عبد التواب عبد الحي نجيب محفوظ.. كتب فى مقدمة الحوار: “رجاني نجيب محفوظ أن أنشر له إعلانًا على الناس وأقول: ” إن كاتب الواقعية مَلّ الواقعية. زهق من آلام الناس ومظاهر حياتهم المباشرة، ولم يعد هناك جديد يكتبه عنهم، وعندما يكتب مرة أخرى سوف يكتب بطريقة جديدة لم تتحدد معالمها في ذهنه حتى الآن، وإلا سوف يهجر الأدب إلى الأبد”.

27 مارس 1958:

نشرت مجلة “صباح الخير” خبرًا عن خطط نجيب محفوظ المستقبلية حيث ينشغل: “في لون جديد من الخلق الأدبي. يبحث فيه عن ينابيع جديدة غير زقاق المدق، خان الخليلى، والسكرية، وشخصيات جديدة غير الأفندية والأسطوات التي تَعَوّد أن يعرضها في قصصه، ومشكلة هذا التجديد الأدبي أنه يحتاج إلى تجديد مماثل في حياة الأديب. يحتاج إلى أسفار واكتشافات إنسانية خارج حدود المقهى ومكتب مصلحة الفنون والمنزل، فهل يتخطى نجيب هذه الحدود في سبيل تجربة أدبية جديدة. وكيف ومَن الذي يمول هذه المعركة التي يحفر فيها الأديب أبارًا جديدة في دماغه. ومَن يدفع له التكاليف؟

11 فبراير 1959:

الأهرام تسأل المدير الجديد لمصلحة الرقابة على المصنفات الفنية الأديب نجيب محفوظ: ما أمنيتك؟ يجيب: “أمنيتي أن أواصل كتابة رواية “أولاد حارتنا” التي بدأتُ فيها”. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها محفوظ للصحافة عن روايته التي لا يزال يكتبها، وقبل نشرها بسبعة أشهر كاملة، وبالعنوان نفسه الذي نشرت به. أضاف محفوظ في حواره مع الأهرام:” إن هناك أزمة في المجتمع المصري، هي أزمة ثقافة”، وانتقد السينما معتبرًا أنها تسير “بالاجتهاد”. بعد خمسة أشهر من هذا الحوار تحدث محفوظ إلى جريدة “الجمهورية “عن أمنية أخرى له، تمني أن توافق عليها الدولة هي “إحالة الأدباء إلى المعاش في سن الخمسين حتى يتفرغوا للكتابة”. وتحدث أيضًا عن رغبته في أن تقوم الدولة بتنظيم رحلات للأدباء والفنانين ليعرفوا بلادهم، فهو لا يعرف شيئًا عن أسوان أو الأقصر. لم يخرج من القاهرة إلا إلى الإسكندرية ورأس البر. بعد أيام من هذا الحوار سافر محفوظ إلى يوغسلافيا. كانت رحلته الأولى إلى خارج مصر، ليقضي هناك خمسة عشر يومًا ويعود قبل نشر “أولاد حارتنا” بشهر، وينشر في “الأهرام” انطباعاته عن الزيارة.

 

20 مارس 1959:

سأل محرر مجلة “الجيل” نجيب محفوظ”:

• ما هو آخر عمل أدبي تقوم به الآن؟

• قصة اسمها ” أولاد حارتنا” بدأتها فى أكتوبر 1958، وكتبت منها حتى الآن 150 صفحة فولسكاب وستكون القصة فى حوالى 300 صفحة.

• وما موضوع القصة؟

• أرجوك أعفني من هذا السؤال

• بلاش موضوعها.. ولكن ما هو نوعها؟

• ولا هذا..إنها قصة من نوع جديد، لم أكتب مثله من قبل، لذلك أنا متهيب جدا، متهيب جدا!

6 إبريل 1959:

أجرت مجلة ” الجيل” تحقيقًا بعنوان: “دعوتي ليلة القدر”، سألت فيه فنانين ومثقفين وسياسيين ورياضيين عن دعوتهم ليلة القدر. قال نجيب محفوظ فى التحقيق:” سأقول: يارب ساعدني على إتمام رواية” أولاد حارتنا” التي بدأتها فى أكتوبر الماضى. يارب يتم الاتفاق على منع الأسلحة الذرية حتى نعيش لنحقق أمانينا لوطننا ولأنفسنا. يارب تنتهى حرب الجزائر بانتصار العرب”.

1 أغسطس 1959:

سألت مجلة “العربي” الكويتية محفوظ: ماذا تكتب الآن؟ أجاب: سيناريو فيلم صلاح الدين الأيوبي، وقصتي المقبلة التي اسميها ” أولاد حارتنا”. محفوظ قال في حوار ” العربي”: ” لا حياء في الأدب. كما لا حياء في الدين” وهي الجملة التى تم اختيارها عنوانًا للحوار.

إجابات محفوظ في كل الحوارات التي سبقت نشر الرواية تقول أنه دفع بالرواية للنشر مباشرة بعد الانتهاء منها، وليس صحيحًا أنها ظلت عامين كاملين في درج مكتبه. إذ تبدأ السنة المحفوظية في الكتابة من سبتمبر إلى أبريل، ثم يتوقف لمدة أربعة أشهر في الصيف بسبب مرض الحساسية في العينين، الذي أصيب به عندما كان طالبًا في الجامعة، وهو ما يعني أن محفوظ انتهي من كتابة الرواية في أبريل من نفس العام قبل إجازة “التأمل والتفكير والراحة”؛ كما يسميها.

2 مايو 1959:

نشرت مجلة “الإذاعة” التي يرأس تحريرها حلمي سلام، هذا التنويه في باب “أدب وأدباء”: يسر مجلة “الإذاعة” أن تعلن قراءها أنها قد اتفقت مع نجيب محفوظ على أن ينشر بها روايته الجديدة ” أولاد حارتنا”. وستبدأ المجلة نشر حلقاتها عقب انتهاء أشهر الصيف”. لكن “الإذاعة” لم تنشر الرواية كما أعلنت، فقد ذهبت “أولاد حارتنا” إلى “الأهرام”، وأصبح السؤال: كيف وصلت “أولاد حارتنا” إلى الأهرام؟

مَخْرَج هيكل 

 

لدينا إجابات متعددة وحكايات كثيرة. منها ما حكاه محفوظ نفسه، ومنها ما حكاه محمد حسنين هيكل. الاختلافات بين الروايات بسيطة، قد لا تغير الشيء الكثير. وصلت “أولاد حارتنا” إلى “الأهرام” عن طريق مدير تحريرها علي حمدي الجمال، وفي رواية أخرى عن طريق توفيق الحكيم، وفي رواية ثالثة عن طريق إحسان عبدالقدوس.

فى لقاء مع الأستاذ هيكل (في مكتبه) سألته عن التفاصيل. أجاب: “وصلت الرواية إلى علي حمدي الجمال، الذي شَعَرَ بالقلق، وعطل نشرها دون أن يخبرني بأمرها، ويبدو أن نجيب محفوظ اشتكى لحسين فوزى الذي أخبرنى بأمر الرواية، وقلت لحسين فوزي: لا نستطيع أن نحجب عملًا لمحفوظ مهما كان ناقدًا وحادًا، وخاصة أننا جرينا وراه ليكتب في الأهرام ووسطنا توفيق الحكيم أكثر من مرة، ولكن محفوظ طلب الانتظار لحين يحال إلى التقاعد”. يواصل هيكل: ” طلبت “الجمال” ليحضرها لي على الفور، أخذتها معي إلى المنزل وقررت نشرها على الفور وبشكل يومي لا كما كان يحدث من قبل بأن تنشر الأعمال الأدبية بشكل أسبوعي، وهذا القرار اتخذته لسببين: الأول، أن حجم الرواية كبير، ونشرها أسبوعيًا قد يستغرق ما يقرب من عام كامل وهي فترة طويلة؛ قد تتيح لمن يريد أن يستغل الرواية دينيًا أن يوقف نشرها، وثانيًا، لأنني أدركت رسالة الرواية وخطورتها”.

فى البداية، مَرّ نشر الرواية بهدوء شديد، لكن عقب نشر الحلقة السابعة عشرة بدأت شكاوى وبلاغات عديدة ضد الرواية وتطالب تحرّك الأزهر لوقف النشر، فسأل عبدالناصر هيكل عن الحكاية، فأوضح له ملابساتها، مختتمًا:” رواية كتبها نجيب محفوظ لا بد من نشرها، حتى آخر كلمة”، فقبل عبدالناصر استكمال النشر، لكن مع تزايد صخب الشكاوى عاود عبدالناصر مناقشة الأمر مع هيكل الذي أنهاه بقوله: “خليهم يعملوا لجنة من رجال الأزهر ويفحصوا الرواية”. يوضح هيكل لي مَخْرَجُه الغريب هذا قائلًا:” أردتُ أن أكسب وقتًا لاستكمال ما تبقى من الرواية، وقد جاء قرار اللجنة بمنع النشر، وكان ذلك قبل عشرة أيام من انتهاء النشر، لكن النشر استمر حتى نهاية الرواية، وقد حرصت على أن أختم الحلقة الاخيرة بعبارة: “انتهت الرواية”.

ويبدو أن هيكل استشعر مبكرًا مع بداية نشر الرواية، ما ستجره عليه من تداعيات، كان من بينها هجومًا عنيفًا على الرواية طال فى جانب منه “الأهرام”، كان أحد الدوافع التي حدت به إلى أن يكتب، بعد أسبوع واحد من بدء نشر “أولاد حارتنا”، مقالًا قصيرًا فى الصفحة السادسة بالأهرام بعنوان “حرية التعبير”، كان أشبه ببداية “هجوم مضاد” أظهر فيه دفاعًا حارًا عن حرية الأدباء والكُتّاب، وزاد هيكل جهده في “المعركة” الناشبة بإتاحة مساحات داخل صفحات “الأهرام” لمقالات ورسائل القراء تتحدث عن مشكلات المجتمع وتنتقد النظام، بلطف.

كان لافتًا فى المقال القصير تأكيد هيكل على أن: “من أهم المشاكل التي تواجهنا اليوم، مشكلة حرية الرأي، بل إنها أكبر كثيرًا من الحد المفهوم من وصف “مشكلة”. ذلك أنه في هذه المرحلة من تاريخ تطورنا، السياسي والاجتماعي والفكري لابد أن يبرز الرأي الحر ليكون المقدمة الحقيقية للركب وهو يسير، والدليل الأمين للقافلة وهي تسعى إلى المستقبل. لكن الرأي الحر في بلادنا لا يمارس الآن هذا الدور الخطير. لعدة أسباب: أسباب عامة تتصل بظروف الحياة. وأسباب خاصة متصلة بأدوات التعبير عن الرأي ووسائله. من الأسباب العامة مثلًا: أنه فى ظروف الحياة السريعة التي نعيشها الآن، طغى الخبر على الرأي وغطت الحادثة على الفكرة. ومن الأسباب الخاصة المتصلة بأدوات التعبير، أن الصحافة وهي أول هذه الأدوات تعيش تحت رقابة قاسية! والمحنة الحقيقية أن هذه الرقابة ليست فرضًا على الصحافة من الخارج، وإنما هي قيد من الداخـل. والأسباب كثيرة: أولها – أن صحافتنا، في كثير من الأحيان، لم تستطع أن تتحوّل بعد، عن كونها صحافة شخصية، ومن هنا فإن تعبيرها عن “الرأي الخاص” لأصحابها ومحرريها، أشد ظهورًا من تعبيرها عن “الرأي العام” لمجتمع بأكمله على اختلاف طبقاته. ثانيهما – أن صحافتنا، حين أعوزها إيمانها الأصيل بغايات محددة ووسائل إلى هذه الغايات، تركت رسالة التوجيه، واقتصرت على “المسايرة”، “مسايرة” الحوادث على علاتها، و”مسايرة” التطورات كما تجيء”.

وأضاف هيكل: ” من هنا، وهذه حقيقة، فرضت الصحافة على نفسها ما لم يفرضه عليها غيرها أخذًا بالأحوط والأسهل، وإيثارًا للعافية والسلامة. وثمة من يتصورون أن هناك رقابة من الدولة على الصحف، تقيد أيديها، وتعجز أقلامها. وليست تلك هى الحقيقة لحسن الحظ. وما من شك أن هناك قيودًا على نشر التحركات العسكرية مثلًا، وعلى بعض المسائل المتصلة بأمن الدولة الخارجي، لكنه فيما عدا ذلك ليس هناك من يفرض علينا السكوت. إن الحقيقة – أننا – نحن الصحافة – سكتنا حين زحمتنا الحوادث فلم نجد لنا فى وسطها رأيًا، وحين بقينا على هامش التطورات نسايرها. ولا نغوص فى أعماقها بحثًا عن الإيمان، نجاهر به، ونقاتل دفاعًا عنه. على أنه ينبغي أن يكون هناك مفهوم لحرية الرأي. إن حرية الرأي ليست العناوين الثائرة الغاضبة على شخص بعينه، وليست الحملات المنطلقة فى ضراوة ووحشية تبحث عن كبش فداء. إن حرية الرأي، هي حرية المناقشة. إن الفكر المتحرر داخل العقل مقدمة. وانطلاق هذا الفكر حديثًا ناطقًا على اللسان، أو حديثًا صامتًا على الورق نتيجة. وبغير المقدمات لا يمكن الوصول إلى النتائج، وبغير النتائج لا تصبح للمقدمات فائدة. هذا فهمنا لحرية الرأي. ومن أجل هذا الفهم، وفى سبيله، هذه المحاولة التي يقوم بها الأهرام اليوم”.

لم يحذف هيكل بنفسه من الرواية حرفًا واحدًا. ونفى بصورة قاطعة أن يكون قد طلب من محفوظ القيام بذلك، مؤكدًا عدم صحة ما أوردته الباحثة السويدية مارينا ستاغ في كتابها “حدود حرية التعبير” عن بعض وقائع الأزمة، وتأكيدها أن هيكل طالب محفوظ بممارسة دور الرقيب على نفسه بحذف فقرات عديدة منها يمكن أن تزيد المحتجين احتجاجًا.

واكَب نشر الراوية إعلان الأهرام عن بداية عهد جديد من تقدير الفن والإبداع.. وهذا ما حدث فعلًا

دور الرسم في الرواية

اختار هيكل رسومات الحسين فوزي ( 1905 – 1999 ) لتصاحب الرواية أثناء نشرها في الأهرام. حكى فوزي في جريدة الأهالى (1989) حكايته مع الرواية: “عندما جاءتني رواية ” أولاد حارتنا” كنتُ مريضًا بالحمى، ومع هذا خرجت من منزلي بالجيزة متوجهًا إلى جريدة الأهرام لمقابلة رئيس التحرير محمد حسنين هيكل، وهناك تبادلتُ معه الرأي وأخذت الفكرة. بدأتُ بقراءة الرواية وفهمها، ووجدتها رواية حية، قوية ألهمتني الصور، ثم قالب هذه الصور كما نشرتْ. الرواية لا ينطبق عليها ما أشاعه رجال الدين بعد ذلك من أنها تمس الأديان والرسل، الأمر الذي أدى إلى تعكير الجو حول الرواية، فلم يتح لها أن تحقق الدور الذي أراده لها مؤلفها، بما تحمل من المعاني والأهداف العميقة. وأعترف أن الرواية، بمواقفها الرائعة ووصفها الجميل، أعطتني الفرصة لكي أقوم بدوري نحوها كفنان يخرج برسومه إلى مجال التعبير والتفسير، وعندما بدأت أنهض بهذا الدور في الصحافة المصرية توقفت الرواية. كان كثير من القراء من طلبتي فى كليات الفنون الجميلة يقولون لي أثناء نشرها أنهم يحتفظون بالرواية من أجل رسومها. كما دفعت رسومها بعض من كان يجمعها من طلبة المرحلة الثانوية إلى دخول كليات الفنون الجميلة”. الصحفى نبيل فرج سأل فوزي: كيف تنظر الآن إلى هذه التجربة التي إلتقت فيها ريشة الفنان بقلم الروائي؟ أجاب: “أوجد هذا اللقاء حركة في الفن، جعلت من الرسوم الصحفية قيمة تثري العمل الفني وتجعله يتكلم ببيان واضح”!

المساهمون

ميجو

ميجو

رسام

تعليق واحد

  • محمد غنيم

    هل تقدمنا أم عدنا الي الوراء؟
    بعد قراءة هذا السرد الجميل لتاريخ تلك الفترة يراودني هذا السؤال. مستوي من الرقي في التعامل واحترام عقول القراء من الصحفيين والأدباء. لا أستطيع منع نفسي من المقارنة بصحافة هذا العصر والسؤال هل تعود مصر للوراء؟ اذا كانت هذه ثقافتنا في الخمسينات فماذا لو كملنا علي نفس الطريق وما الذي حدث حتي نصل للمستوي الحالي من الادب والفن والموسيقي … الخ.
    ملحوظة: انا لست شيخا كبيرا يعاني من النوستالجيا , فأنا في الثلاثينيات ولكن لأني لم أعش الا في هذا العصر البائس أتساءل دائما , ماذا حدث لمصر؟؟

    January 6, 2017

التعليقات مغلقة.