توكتوك في “كومباوند”

علي الرجال علي الرجال

ما الذي يمنع التوكتك من أن يعكر صفو سكان تجمع سكني مسوّر أو كومباند ما؟ ما الذي يجعله لا يرتطم بكتفك أو ربما يدهس قدمك في إحدى مناوراته العنيفة؟
إنها الصحراء والأسوار. هم فقط ما يحول بينك وبين أن يقتحم التوكتك حياتك اليومية. هذا التوكتك اجتاح مصر من الريف إلي المدينة. ستجده في أقاصي الصعيد، حتى صار أحد سمات الاجتماع المصري، إلا أنه ظاهرة مدينية بالأساس، تخلقه المدينة وتحاربه كذلك.
التوكتوك ابن المدينة، الذي لا تود الاعتراف به وسيعمل حراس المدينة على ملاحقته وحجبه عن شوارعها الرئيسية، وسيتقاسمون قوت اليوم وسيحارب شبكة المراقبة. سيقل سكان المدينة، ويعكر صفوهم، يقوده الأطفال ويدهس أطفالًا. لن تنجو منه الطبقة الوسطى ولا حتى البرجوازية بغير أسوار وحراس وصحراء تمتد في الأفق لا يقوى عليها ذلك الشيء الحديدي.

المدينة من وضع الجلوس

 

الصور لشارلي باركر

التوكتك أكثر من مجرد ماكينة تعبر بالمشاة من نقطة إلي أخرى. صارت هذه الماكينة معبئة بدلالات إجتماعية وثقافية كبيرة، يحمل معه عوالم بأكملها بمجرد حركته في حيز العمران، بل صار إنعكاسًا للعمران في ذاته بما يحمل من دلالات عشوائية وعدم الانضباط والرعونة. مثل أي وسيلة إنتقال حديثة يحمل التوكتك معه موسيقا تحمل نوافذ لعوالم مختلفة وتعبر عنها من خلال قدر كبير من الضجيج والصخب، ولهذه الماكينة لغة جسد كاملة في الحركة والمناورة تميزها عن بقية المركبات، فهي ليست بخفة الموتسكل ولا حجم الميكروباص وأكثر رشاقة وخفة من التونيات والتروسكلات. غير أن التوكتوك يثبت جدارة في التعامل مع وحشية العمران في مصر وانهيار البنية التحتية وقدرة عالية على النقل السريع بين المسافات الصغيرة والمتوسطة داخل المناطق الشعبية والعشوائية. يعد أكثر سهولة لربات المنازل والسيدات العاملات في وقت التبضع من السوق أو العودة إلي المنزل، فبمجرد وضع قدميك على عتبة صغيرة تصير داخل علبته التي تكفي فردَين بشكل لائق، ولن يكون عليك أن تصعد وتهبط إليه لإخراج أحدًا أو إفساح المجال لإحداهن لتعبر إلي مقعدها. كل ما عليك هو تحمل بعض مناوراته العنيفة أو سوء الطريق وبنيته التحتية الرثة، التي ستشعر بها كاملة من خلال مقعدتك.

لا أحد ينجو من الأزمة وبالأخص المقعدة، فعليها تحمل عقود من الانهيار وأوجاع الأرض وما عليها، فالمقعدة تعرف المدينة الحديثة جيدًا، ربما أفضل من بقية أعضاء جسمك الأخرى. الآن صار التوكتك يتقدم بخطى حثيثة لاقتحام المناطق الهجين بين البرجوازية والطبقة الوسطى.

إذًا فالتوكتك يحمل عوالم ودلالات كما يحمل البضائع الخفيفة والأفراد، ومن خلاله تتعرف على المدينة من زاوية جديدة.

والآن فلندخل إلى صلب حديثنا، كثيرًا ما يتم الحديث عن المجتمعات المسيجة وحدها أو العشوائية وحدها وقليل جدًا الكلام عن مناطق التماس بين هذه العوالم، عن تداخلاتها، عن هذا التوكتك الذي سينتهز فرصة غياب الأسوار والصحراء ليشق طريقه في قلب هذه العوالم.

منذ ثلاثة عقود أو أقل كان كل ما خلف كوبري 14 مايو بمنطقة سموحة، تحديدًا ما وراء ترعة المحمودية غير مأهول بالسكان بشكل مكثف. كان الكوبري يفصل بين مناطق خاوية نسبيًا من ناحية الغرب، حتى تصل إلي كثافة المال والأعمال والنقل والتفريغ والسوق والتي تمثلها وكالة بيع الخضروات والفاكهة التاريخية بمنطقة الحضرة، التي تحتل رقعة كبيرة من شارع الجواهر إلى ترعة المحمودية، ثم مصنع كابو (جيل) للملابس الداخلية والقطنيات، وقبلهما مركز الشرطة العسكرية. من الناحية الشرقية كان شارع النقل والهندسة هو الآخر خاويًا من السكان إلا ثلثه الأخير قبيل ترعة المحمودية، والذي يعد مساكنًا شعبيةً، حتى إجتاحته البرجوازية منذ أقل من عقد. عن شماله شيدت العمارات الشاهقة والمجمعات السكنية الضخمة وتحول إلى منطقة مطاعم وكافيهات، ثم تأتي كثافة أكثر للسكان عند حجر النواطية على ضفتي الترعة.

من ناحية الجنوب الشرقي بعد خط السكة الحديد وقبل طريق الإسكندرية –القاهرة الزراعي تقع أبيس ببعض القرى الصغيرة ومراكز البحوث الزراعية مثل مراكز البساتين والمحاصيل، والري، والماكينات. كانت أغلب القرى من الصفيح وكذلك كان الحال في شمالها في بعض مناطق حجر النواطية وونجت.

الآن صار الوضع مختلفًا، وتغيرت خريطة العمران خلف الكوبري بالكامل. تقبع قبل الكوبري ببضعة أمتار مديرية أمن الإسكندرية الجديدة، والتي تحتل مساحة عملاقة بمعمارها العجيب المفتقر لأية جماليات. تقع، بعد الكوبري، جامعة فاروس في جهة الغرب، وبعدها يقع واحد من أوائل المجتمعات المسيجة في الإسكندرية:” آسيد”، ثم بعده مباشرة تقع “جرين بلازا” أحد أكبر أماكن الترفيه في الإسكندرية.

في جهة الشرق في مواجهة جرين بلازا يقع شارع النصر، أحد شوارع الإسكندرية الجديدة، التي تمّ إعمارها بقدر هائل من التجمعات السكنية والعمارات الضخمة، التي تشكل كومبوندات مفتوحة نسبيًا.

إذا كنتُ تنظر صوب الجنوب فسترى كيف يشق الكوبري قلب هذه المنطقة الكبيرة إلي نصفين، على اليمين ملاهي وكومباوند مسيج صغير للطبقة الوسطى، وقبله جامعة خاصة جديدة لمحمد رجب، الذي يمتلك أغلب أراضي المنطقة وهو أيضًا صاحب جرين بلازا، وعلى اليسار تمدد جديد لعمران البرجوازية وجانبهم مساحات زراعية كبيرة تآكلت لصالح هذا العمران، بعد خط السكة الحديد، الذي سيفصل بين العالمَين القديم العشوائي والفقير من ناحية والجديد الغني والعشوائي أيضًا من ناحية أخرى. الترعة القادمة من النهر البعيد (المحمودية)، وعلى ضفتيها المساكن الشعبية، في قلب هذا التمدد الجديد يحتل شارع النصر نصيب الأسد من هذا التوغل العمراني الكبير.

كيف يبدو شارع النصر من أبيس وكيف يبدو على أعتابه؟

 وكيف يبدو في عمقه؟ من أبيس ترى تكتلات الكومبوندات الشاهقة وعلى يمينها، بعد شريط القطار، ترى المساكن الشعبية الفقيرة المائلة من سوء العمران والبناء. المشهد يبدو مُبشرًا وإن كان قبيحًا. العمارات الكبيرة تقول أن أسفلها شارع منظم التخطيط وبنيته التحتية واعدة، وعلى أعتباه سيصدمك قدر لا بأس به من زحام السيارات وموقف الميكروبصات والتكاتك المُتشنجة للعبور، وضجيج وصخب يصدران من سلسلة المحلات، التي تحتل ناصية الشارع في تقاطعه مع شارع 14 مايو. إذا كنتُ سائرًا على الأقدام فسيكون عليك أن تلزم خط مستقيم للعبور دون أن تتعرض لك السيارات أو التكاتك. إذا كنتُ تقود سيارتك فمن الأفضل أن تكون أحد هؤلاء السائقين المهرة الذين اعتادوا المناورة مع السيارات والتكاتك والمشاة في نفس اللحظة والمرور في مساحات ضيقة دون خدش سيارتك أو سيارات الآخرين أو الارتطام بتوكتوك. مَقْعَدتك لن تنجو كثيرًا حتى مع توخي الحذر من النقَر والمطبات الكثيرة، ومن الأفضل أن تكون عفشة السيارة في أفضل حالاتها. هناك رحلة لن تخلو من المغامرة اليومية المعتادة لكثيرين إذا قررتُ أن تعبر شارع النصر الموحول في ليال الشتاء مع التوكتوك. هنا ستتأكد من أن المقعدة تعرف المدينة جيدًا.

 

على امتداد الشارع حتى عمقه ونهايته في كل فراغ وجد بالخطأ ستجد تجمعات القمامة وما تحمل من روائح كريهة. الشارع يعاني من تكدس كبير وشوارعه الجانبية، التي تتخلل الكمبوندات الكبيرة شديدة الضيق. أما الكمبوندات الواعدة فهى ليست كذلك، فلا يوجد مساحات عامة ولا حدائق صغيرة ولا أماكن تتسع للهو الأطفال. في حقيقة الأمر يصعب الحديث عن “عام” في ظل هذا التخطيط العمراني، ولا حتى الحديث عن “مشترك”. ربما من المثير للدهشة هو عدم وجود رصيف يمكن للمشاة السير عليه.

ما يتبقى من فراغ في الشارع تملؤه المقاهي أو فرشات الباعة المتجولين أو امتدادات محلات البقالة أو يهمين عليه بعض البلطجية ليتحول إلي أماكن انتظار للسيارات. لكي تحظى بوحدة سكنية في أحد كمبوندات شارع النصر، فأنت تحتاج من 400,000 إلي 500,000 من الجنيهات. تتأرجح التشكيلة الاجتماعية لهذه الكبموندات بين الطبقة الوسطى العليا والبرجوازية ورجال الدولة، تحديدًا القضاء والداخلية وأبنائهما.

اجتياح التوكتوك

 

لماذا تداخلت العشوائية مع الشارع البرجوازي؟ أو كيف عبر التوكتوك الترعة القادمة من النهر البعيد وخط السكة الحديد الضارب في التاريخ الحديث؟ أولًا النقل، فهذه المنطقة كلها تعاني من عدم وجود نقل منظم وعام لها، فلا وجود للترام هناك أو النقل العام أو محطات مُصممة خصيصًا للأتوبيسات. بالتالي كان هناك احتياج للنقل، ومن هنا أحتلت الميكروبصات أكثر من موقع كمحطة وقوف لها لتحمل الركاب. وهو ما لم يكن مخططًا له فأنتج قدر من العشوائية في منطقة بشكل عام تجمع بين السكني والخدمي والحكومي، حيث تقع إدارة مرور أبيس، والتي تخدم نصف سكان الإسكندرية الملحقين بها، كما أشرتُ وجود بعض المراكز الزراعية في الجنوب الشرقي للمنطقة بالإضافة إلي جامعة فاروس. كذلك الحال مع شارع النصر الطويل، فلابد من وسيلة نقل بداخله، ومن هنا أنفجر بالتكاتك.

والأمر برمته يعكس عوارًا كبيرًا في التخطيط. منطقة كبيرة ومتنوعة الاستخدامات لم يخطط بشكل جاد فيها لنقل الأفراد الذين يتعاطون معها والسكان. ثانيًا، لا يمكن إستبعاد فساد الحي والمحليات من القصة. تنظم الشوارع ويعاد رصفها وقانونًا على المقاولين دفع رسومًا للحي قبل الشروع في البناء لإعادة الرصف والبناء بعد تعرضها لتدمير جزئي نتيجة عملية البناء. ثالثًا، غياب المشترك والعام في المنطقة يعني غياب فعل جماعي منظم لإدارتها والاكتفاء على مجالس المُلاك، وهو أمر خاص في ذاته حيث ينصب جل جهود التنظيم في مسائل الصيانة الدورية للكمبوند. كما أن غياب مساحات عامة يحول دون تكوين علاقات وروابط جماعية قائمة على التلاقي ومعرفة الآخر في الحي أو حتى داخل الكمبوند الواحد. حجم الأدوار والوحدات السكنية مهول. ربما يصعب عليك معرفة جارك في نفس الطابق، إلا أن وسائل التواصل الحديثة والإعلام المجتمعي قلَّل من هذه الفجوة، وقام سكان شارع النصر بعمل مجموعة خاصة بهم على الفيس بوك وكان لها نشاطًا كبيرًا ومحاولات جادة للتعامل مع شارعهم، لكن المشكلة الأكبر ظلت أن المشترك كان يخلق من خلال هاجس العدو الخارج عن مجتمع شارع النصر. الخطر القادم من العشوائيات المجاورة، من الباعة الجائلين الذين سيحتلون المنطقة في أي لحظة وهاجس رقي المنطقة وسقوطها الطبقي.

كما أشرتُ كان جزءً كبيرًا من التشكيلة الاجتماعية والطبقية للمنطقة من رجال الدولة وهو ما ساعد على دخول الخدمات والمرافق إليها بشكل لائق وجيد. دخل إليها الغاز الطبيعي قبل دخوله في بعض المناطق الأقدم بسموحة، إلا أن هذا الأمر حفز الأهالي القدماء، الذين كانوا يمتلكون بعض الأراضي صغيرة الحجم، للبناء وهو ما فتح المجال للبناء العشوائي في قلب الشوارع الجانبية المتقاطعة مع شارع النصر.. هكذا تداخل نمطَين من العمران في قلب نفس الحيز العمراني.

نَشَطَت مجموعة الفيسبوك وكانت تقوم بحملات مقاطعة للباعة الجائلين ومحاولات أخرى للتنظيم انهارت مع تداخل العوالم بالكامل واشتداد العمران والخدمات والمرافق. خامسًا، كأحد أعظم تجليات عصر مبارك تتحوّل العشوائية إلي نمط إدارة للمنطقة وتقديم الخدمات، ثم يتبع ذلك اختراق أمني لهذه الشبكات غير الرسمية حتى تخضع للسيطرة والمراقبة، ثم تحولها هي نفسها لإداة مراقبة ويد للسلطة داخل المساحات المختلفة. وهو ما تجسده العلاقة بين المباحث والتكاتك من خلال شيخ مسؤول عن إدارة 34 توكتوك في شارع النصر. في الأخير نحن أمام محاولة لإدارة عشوائية ما تجتاح المدينة من خلال اختراقها، لا من خلال إعادة ترتيب الأوضاع بشكل مؤسسي لائق حضاريًا وعمرانيًا.. هكذا يتمّ إنتاج علاقات اجتماعية مشبوهة في جوهرها وسلوكيات وواقع مادي قائم على الانتهاك مثل التحرش الجنسي بالشارع، الاستيلاء على الفراغ وتحويله إلي أماكن لانتظار السيارات، وهو ما ينتج عنه علاقات بلطجة وعراك دائم وصراعات بين البلطجية وسائقي التكاتك وحارسي العقارات بالمنطقة أو الشجار مع السكان والزوار على أولوية المرور.

هنا حاصرت البرجوازية المدينة

حصار العمران البرجوازي

كيف يمكن أن نرى ونفهم المدينة من خلال تداخل عوالمها ومن على خطوط التماس؟ الانقسام الطبقي وحَدّة الفجوة بين الطبقات ليست فقط مسألة إيديولوجية أو قراءة للواقع المادي للإنسان، بل مسألة تجسدها خطوط فاصلة وعازلة تتجلى في العمران وفي هيئته وشكله ونمطه ماديًا. مسألة لا تُخطئها العين، فإذا وقفت ناحية مزلقان أبيس سترى عالمين يفصل بينهما شريط القطار فصلًا وسترى كم هي عوالم مخلتفة من المعمار إلي البنية التحتية إلي
العمارات الصغيرة المائلة والآيلة للسقوط. سترى الفرق بين هذه المساكن الرثة، وبين العمارات العالية والضخمة، عالمَين خلف وارئهما زراعات وأراضي كانت ذات يوم لبساتين ومحاصيل لم تكف الكثيرين، لكنها كانت موجودة وتعمل وتنتج.

عالمَين يقفان مترقبين لبعضهما البعض. ينظر كلاهما للآخر منتظرًا لحظة الانقضاض القادمة. يتشكل الاجتماع حول هذا الخط وحول تداخل هذه العوالم بما تحمل من لغة وعلاقات سلطة وانتاج وعمران. لم أر في المدينة نقطة لرؤية هذا الفصل وأكثر تجسيدًا له أفضل من مزلقان أبيس.

يتسم العالمان بانحطاط العمران، والمثير للسخرية أن عالم البرجوازية والطبقة الوسطى العليا يعاني من فقر البنية التحتية وانحطاطها، لكن الفرق بين القوة والمال وبين نمطي الحياة لن يخطئه إدراكك من هذا الموقع في المنتصف.

قد تدفع جملة التفاعلات المباشرة للعلاقات داخل هذا الحيز العمراني إلي اتهام سكان المنطاق الشعبية المجاورة والعشوائيات المُحيطة بشارع النصر بأنها سبب إفساد الحي من الناحية العمرانية. صمم هذا الحي ليكون إمتدادًا راقيًا لمنطقة سموحة فيما وراء ترعة المحمودية فشل بالكلية. صار الشارع ممثلًا للعشوائية والبلطجة والضجيج.

قد يرى البعض أن الأزمة تقنية على مستوى التخطيط وعناصر فشلها تكمن في ترك فجوة سمحت للعالم الآخر أن ينقض على العالم الجديد، وأن الحل كان يكمن في خلق أسوار عملاقة تمنع تقدم العوالم الشعبية والعشوائية وزحفها على الحي الراقي. كان يجب على الشركات الكبرى السيطرة على الأراضي بالكامل قبل مَدّ المرافق. بالطبع سيرضي هذا التحليل النيوليبرالين والدولتيين، المشكلة في الرعاع والهمج، هم من يفسدون علينا صفو حياتنا الراقية. لكن يجب النظر إلي المنطقة ككل بشكل مختلف ومتحيز إيديولوجيًا نحو بناء مجتمع أكثر عدالة ورحابة.

كانت المنطقة الشرقية والجنوب شرقية تنقسم بين مناطق شعبية ومناطق زراعية تاريخيًا. كان الامتداد الطبيعي لهذه المناطق هو التوسع العمراني على ضفتي الترعة سواء على مستوى السكن أو خلق فرص للعمل والخدمات ترفيهية، تعليمية، وطبية. إلا أن عمران البرجوازية تقدم عليها وقام بتسقيع الأرض ليرفع سعرها، ثم تحويلها كإمتداد أرخص نسبيًا للسكن لمنطقة سموحة.

كثيرًا ما يقال في مصر أن العشوائيات تطوق المناطق الحضرية وبالأخص في القاهرة. ما يحدث في هذه المساحة بالإسكندرية هو أن المدينة تضيق على سكانها من المناطق الشعبية. يحاصرها العمران البرجوازي ويضيق عليها الخناق. هذه المنطقة كانت يمكن أن تحتفظ بجنوبها الشرقي كخلفية زراعية كبيرة ومتنفس بيئي للمدينة ككل، وكان يمكن للجانب الشرقي منها أن يصير إمتدادًا عمرانيًا بسيط التكلفة للقطاعات الشعبية والفقيرة، لكن مع تخطيط بسيط كان يمكن تنظيمه مدينيًا وحضاريًا لتكون منطقة صالحة للحياة الكريمة بفضاءات عامة تتسع للبناء المشترك والعام وخلق رحابة للقاء والتجمع واللهو. كان يمكن بناء مستشفى كبير للتخديم على هذه المنطقة مع بعض المدارس. عناصر بسيطة كان بإمكان الاستثمار الجاد فيها تغيير شكل العمران والقضاء على العشوائيات وعلى التفجر الداخلي للمناطق الشعبية، التي تصير بخطى حثيثة لتنقلب إلي عشوائيات بائسة لا سبيل لها غير التداخل مع العالم الجديد بين الابتزاز عبر البلطجة والسيطرة على ما ترك من فراغات، أو عبر التخديم عليها أو الصدام معها على نقاط التماس.

المدينة هى تجلي لعلاقات السلطة داخل المجتمع وما تحمله من تحيزات مادية ومعرفية وطبقية.

المساهمون

انشر تعليقك