إنجرام يقدم : فاروق نيويورك اكسبريس

خالد يوسف خالد يوسف

البناية السكندرية التي جعلت من عبد السلام حمدي (أول نجم كروي شعبي مصري حتى قبل حسين حجازي) مشردًا بين شوارعها قيل أنها صنعت غبارًا كثيفًا لدى سقوطها في الأنفوشي في أول سنوات الثمانينات، لكنه غبار لم يستطع حجب إعلان أمواس لورد القابع بجانب البناية. ولا كل صور السلويت لوجه طارق نور التي التصقت بلا وعي أبناء الحي بأكمله. لا بوجه الخطيب الملازم للورد أو لشريط الفيديو الدعائي الخاص به، الذي يلامس 90 دقيقة، الغبار يكسي الصفحات الأولى لجرائد ذلك اليوم في الشوارع المحيطة للبناية، لكن يمكن رؤية بكل وضوح حالة عطش السلطة لأقرب موعد مباراة يمكنها أن تخفف وطأة انتظار عام الرخاء أو نسيان تبعات العزل العربي لمصر في أعقاب اتفاقية السلام مع إسرائيل. نفس العطش الشعبي للنشاط الوحيد، الذي يتم معايشته على نحو جماعي ـ بكل مشتقاته العشق، الكراهية، السب ، الرغبة في تحطيم المدرجات أحيانًا. الاحتفال بأوراق الجرائد المُشتعلة في أوقات أخرى، ومن وقت للأخر ترك مساحة صغيرة لتجار السيراميك والحلويات الصغار إعلان تأيديهم لقيادة السياسية على نحو علني، موضوعة على نحو استراتيجي يمكن لكاميرات المخرج ابراهيم لطيف التقاطها على نحو يبدو عفويًا.
مفارقة كبيرة أن تكون موسيقى إعلانات أمواس ``إنجرام`` و``لورد`` - المكتظة بنجوم اللعبة - في مقدمة شريط الصوت الخاص بتلك الحقبة. كان الشعور بهذه الفترة طاغيًا فيما يتعلق بتربية اللحي، لكنها جزء بسيط من مفارقات عالم ما بعد قرارات 1975 الاقتصادية أو ما يعرف بالمحاولات الأكروباتية المتواصلة لاستخراج الذهب من مناجم الفحم أو ذلك الهاجس المتواصل لتأسيس خلال سنوات الشباب ما سُمي:``الخميرة``، تلك الحقيقة التي استيقظ عليها الشباب آنذاك من مواليد كل الشهور التي تلت يوليو 1952.
سلسلة ``إنجرام`` تلهث وراء مشروع ``الخميرة`` القومي المصري بين رأس سنة 1980 وآخر ليلة في ديسمبر 1990 . ``رأس المال`` الذي تمّ صنعه على أكتاف ما سمى ``بيزنس كرة القدم`` في عالم ما زال يأخذ مصروفه الحكومي. يقفز رأس المال في وجهك على هيئة مشاريع ``اجانس السيارات`` في أزقة المهندسين المصنوعة من الألوميتال الخام، ونهايةٍ بكل ما يظهر إلى جانب مدحت شلبي في استوديوهات نهايات عام 2016. جيل في صور مختلفة من ``الفلاسفة`` و``الأسطوات`` و``النجوم``، رأس المال الذي يتحول من عملة سائلة إلى نوستالجيا صافية، مسحوق ``الزمن الجميل``، الذي يتم تسخينه تمهيدًا لحقنه في الوريد على هيئة حلقات برنامج ``صاحبة السعادة``. ذلك الشعور بأن كل شيء بخير، تمامًا مثلما كانت مباريات الأهلي أيام الجمعة ستأتي دومًا بعد تفسيرات الشعراوي. بصرف النظر عن صفقات التونسي للدجاج الفاسد أو الألبان المُشِعَّة، أحداث الأمن المركزي. العلاقات الإنسانية لعصر ``إنجرام`` كانت نسخًا مكررة من اسكتشات إعلانات بنطلونات ``الهلباوي رانجلر`` بين مصطفى عبده وإبراهيم يوسف في حب مصر ولتسديد ديونها.

للمرة الأولى بدا الموضوع غير مُجدٍ، ربما هو ما جعلها أكثر لحظات وجوده هناك سعادة، من وصوله قبل أكثر من ثلاثة أشهر.
شعر كنيش يشق طريقه بصعوبة خارج الطَّاقيّة الرياضية الصوفية. قفاز أسود من نفس الماركة ظهر عليه آثار التشقق، ليسمح لأصابع اليدين بالتنفس في درجة حرارة تقارب الدرجتَين تحت الصفر. صقيع يمكن الشعور به من ثقب القفاز أثناء الارتكان قليلًا على حاجز الأسلاك الحديدية، الذي يفصل بين أنفاسه التي تنكرت بلون بخار أبيض، وقطعة أرض مهجورة في منتصف حي هوليز بكيونز. دون أن يدرك أنه على بعد أمتار من الجهة المقابلة لمنزل المراهق داريل ماكدانيلز، العضو المستقبلي لفريق RUN- DMC للراب.

فاروق في مطلع عامه الثامن والعشرين يشعر ببدايات النهاية مع بداية العقد الجديد في كوينز، خالية حتى من أشباحها ، والذين لم يعودوا من حفلات رأس السنة وتجمعاتهم العائلية بعد. متاجر خالية، ملصق وحيد يبعد عنه مترين لـ“كريمر ضد كريمر“ (من بين كل الملصقات التي صادفها كانت هذه الدراما عن نزاع عائلي بعد قرار الانفصال)، حتى الذين داوموا على صنع الـ“هوت دوج“ في الهواء الطلق بجامايكا باي بوليفارد قد اختفوا. فاروق بمسميات معاصرة هو مهاجر غير شرعي، ينظر إلى قطعة أرض مهجورة، ذكرته بتفاصيل مكالمة الأمس التي أجراها مع الوطن. ما بين الحزن الشديد لمعرفة تفاصيل مرض شقيقته المتفاقم، وبين مشاعر الحسد البالغ تجاه حمامة صاحب الهدفين في مرمى الاتحاد السكندري قبل يومين باستاد القاهرة.

فاروق كائن فضائي هَبَطَ على تجربة كوزموس لإدماج اللعبة ضمن جدول المدينة المزدحم

غريبًا في مدينة هاربًا من أخرى

هربًا من أخطاء كرة عصره

 

وحده متجر في قرب التقاطع مع ميرتل أفينيو يكسر رتابة ساعات الصباح الأولى. تخرج منه أغنية روبرت هولمز “إهرب” ، عن رجل يعيش حياة زوجية رتيبة يستجيب لخطاب نشرته إحدي الفتيات في قسم الإعلانات المبوبة في صحيفة، موجه إلى أي رجل يعشق المغامرة، تدعوه فيه للهروب الفوري.

فاروق لم يكن يعلم تفاصيل الأغنية، لكن أحدهم من المرافقين له في نادي كوزموس أعطاه فكرة سريعة، وهو ما جعله يندم أكثر على إعلان رغبته في المعرفة، تمامًا مثلما أزعجه في سبتمبر الماضي أن تكون مقطوعة جيورجيو مورودر “مطاردة” من “أكسبريس منتصف الليل” تصدح في مطار روما ، فيما تمّ الترويج له مصريًا بأنه جزء من خطة هروبه إلى أمريكا، تاركًا خلفه الزمالك ورفاقه من المنتخب المصري عقب المشاركة في دورة ألعاب البحر المتوسط في سبليت Split.

بدا الانزعاج منطقيًا من مقطع محدد في أغنية هولمز: “حياتنا كانت عبارة عن أسطوانة مشروخة لأغنيتنا المفضلة”. فاروق يعلم تمامًا أنه لم يكن يبحث فقط عن المغامرة أو كسر للحياة الرتيبة، بل كان هروبًا من شعور متواصل بالدَيَن، في موقف كان يشعر فيه بأن الدين عكسي، وأن الهروب هو المكافأة العادلة لمسيرة شربت كثيرًا من القاموس المصري المعنوي دون أن تترجم هذا لشعور مادي حقيقي بالأمان.

فاروق مغرور ، “شايف نفسه“ ، أناني ، نحيف ، ضعيف الجسم ، عاشق للماديات ، راغب في مغادرة طبقته الاجتماعية بأسرع وقت ممكن ، محبوب، مظهري، موهوب، هاديء الطباع، مثير للمشاكل، متهرب من المسئولية، متمارض، دوائر السبعينات المغلقة. الإيقاف في أبريل 1975 أشعل تلك الرغبات الأولى داخل فاروق بدخول اللعبة بقواعد جديدة، الاستقرار على عقد شهري 150 جنيهًا، وإعلان النادي بالتأمين على قدمه ببوليصة قدرها 1000 جنيه.
بعدها بعام علم أنه لعب لعشرة أشهر كاملة متحاملًا على إصابة لا يعلمها لتليف في عضلات الكلى. عشرة أشهر عرفت اللعب تحت مظلة القطع في الرباط الصليبي، أو الحمى، أو إصابات الكاحل واستئصال المرارة، بعدها بشهرين قاد اعتصامًا صامتًا تمّ وصفه بالتهرب، دون الإشارة لأمر رفض عرض نادي العيان الإماراتي بالانتقال إليه، مصحوبًا بمبلغ 25 ألف جنيهًا وراتب شهري 3000.

الكرة المصرية بقرة ذهبية تحت سيطرة شركة. كان الدوري المحلي حوضًا للأسماك الملونة

من صنع فاروق؟

 

بعدها بعام كان فاروق يقضي نهاية عقوبة تهرب جديدة بشهرين من الإيقاف، انتهت بعد 40 يوم.

تخلل كل هذه الفترة طلب “صفح من الجمهور” ، “أنا لم يصنعني أحد”، “الزمالك هو صاحب الفضل الأول”، “رغبة في عيش حياة لائقة”، “فاروق يطلب طلبات جشعة”، السفر على نحو مكوكي إلى جدة، بغداد، الكويت، لندن قبل العودة للقاهرة، جمرك قدره 40 % من ثمن سيارة تقدر بـ19 ألف جنيهًا هدية من أمير سعودي.

بيزنيس تضمن 50 ساعة مستوردة، ومحل للساندوتشات، كل أعراض الحقبة التي التقطها فاروق مبكرًا للغاية، والتي شكلت فيه كلمة “المستقبل” القاسم المشترك من منطق كلامه.

ألو.. كيف حال الوطن؟

 

مكالمة الصباح التقليدية للوطن تتضمن أخبارًا مقلقة تتعلق بالمرض، ورتيبة عن عدم افتقاد الزمالك له في المباراة المقبلة أمام مصنع 36. خلال جلسة التدليك قرب منطقة دامبو في بروكلين يحاول فاروق تجاهل

نيويورك الثمانينيات ملعب لأحلام فاروق جعفر

نشرات الأخبار التي تتابع مسار مفاوضات تحرير رهائن السفارة الأمريكية في طهران، لكنه لا يمنع نفسه من تذكر أنه عالق زمنيًا ومكانيًا مع زميله في كوزموس الإيراني أندريانك إسكندرنيان، والذي لم يعد إلى وطنه منذ قيام الثورة. الفارق الوحيد أن إسكندرنيان – أحد نجوم الخط الخلفي لإيران في كأس العالم 1978 – له مكان أساسي إلى جانب البرازيلي كارلوس ألبرتو في تشكيلة كوزموس، بينما مازال فاروق يراوح مكانه بين كونه أحد أهم لاعبي قارته خلال النصف الثاني من السبعينات، وبين صفته كمهاجر غير شرعي تحت التجريب، مصيره معلق بمدرب برازيلي على وشك الرحيل، وأسطورة ألمانية بحجم هينيس فايسفايلر.

المدخرات يتم استنزافها، حتى تلك اللحظة هو لا يعرف موقفه الرسمي كلاعب هاوي أو محترف، عن السفن التي حرقها في القاهرة أو مدينة تبدو قاسية في التأقلم مع أمزجتها، وهي التي تحاول تحت إدارة عمدتها الجديد إيد كوش التعافي من خطر تعرضها المتكرر للإفلاس.

فاروق يستسلم لحمام البخار، يحاول التخلص من الصفعة التي أنزلها به مديره يكن حسين، عقابًا على عدم التزامه بالتعليمات في 1974، التعنيف من جانب “اللواء” خليل الديب جزاء إبداء رغبته في الاحتراف الخارجي، الركض خلف سيارة نجمه المفضل صالح سليم في شوارع جاردن سيتي، الـ 42 جنيهًا إيجار الشقة التي حصل عليها كهدية من أحد محبيه في الزمالك، المرة الأولى التي عجز فيها عن شراء هدية لأول فتاة أغرم بها. الغبار الذي تركته أول سيارة فولكس فاجن اشتراها عام 1972، الجنيهات العشرة، التي تلقاها كأول مكافأة، كلمات محسن حسن حلمي رئيس النادي بأن فاروق” ابن عاق”.
سفرة منزل متواضع تحمل بقايا غداء 10 أشقاء، المنيرة قرب المغرب بعد انتهاء مباريات الكرة الشراب، مشوار باص 147 اليومي إلى ميت عقبة ، والذي قد يتضمن دعوة مجانية إذا تم التعرف عليه من قبل الكمساري، خوفه من الغرق في البحر، لوحة بيانات سفريات مطار روما يوم 26 سبتمبر، نظرات رفاقه في المنتخب وهو يعلن لهم توجهه إلى نيويورك برفقة الفتاة التي كانت بصحبته، تمّ التعرف عليها لاحقًا بأنها زوجته. الحوار القصير مع محمد جابر، “نور الشريف”، في فريق الزمالك تحت 18 سنة، دفتر التوفير، الذي كان يمنح منه حسن حلمي للاعبيه مصروفهم. محلات الفطير في شارع 26 يوليو منتصف الستينات (الفطيرة بقرشَين) ، الـ 30 جنيهًا أول راتب شهري في 69. مدرجات استاد القاهرة المشتعلة في 71 بعد المناوشات مع مروان كنفاني، ذلك الدكان الخشبي العتيق في نادي الترسانة الخاص بعم مجاهد، المتخصص في تفصيل الأحذية الرياضية للاعبين (مقابل ستة جنيهات)، الركوب خلف غانم سلطان في دراجته البخارية وصولًا إلى محل الفاكهة الخاص به في سوق التوفيقية.


آمال خاسرة

 

كان الاتفاق الذي روج له فاروق مع كوزموس بأنه يسعى للحصول على نصف مليون جنيه له، ومليون للزمالك “بيته الأول”، في انتظار تحديد موقفه القانوني كلاعب مازال هاويًا، وهو ما قد لا يضمن للنادي أية حقوق، خاصة أن الاتحاد الأمريكي لكرة القدم للمحترفين غير مسجل بعد في الاتحاد الدولي. الانتقال من كوينز إلى بروكلين بقطار الأنفاق يجبره على تأمل الجرافيتي، وعصابات الشباب، التي أضحت أبطالًا في فيلم “The Warriors” الذي يغرق مانهاتن، فاروق لا يعبأ كثيرًا أثناء مروره في إيست فيليج بالهوس المحيط بديبي هاري وفريق Blondie ، لن يمكنه التعرف على ديفيد بيرن من Talking Heads وهو يحوم قرب بارك أفينيو، أو مصاحبة جوي
رامون في محاولاته الفاشلة لركوب أمواج كوني آيلاند في عز الصقيع ، أو السير ليلًا بين علب الليل قرب الجادة السادسة أو الجنة، أغنياء ومشاهير المرحلة في مرقص استديو 54 قرب برودواي أو الجنة الجديدة للكادحين في جارج باراديس قرب ميدان هدسون، وأحد معاقل مجتمع المثليين الجديد في نيويورك، عامرة بالخطر قرب هيلز كيتشين، وفتيات الليل ناحية تايمز سكوير، وفي عام انتهى باغتيال جون لينون أمام منزله.

جعفر كان ضيفًا على مغامرة عمرها 10 سنوات لإقحام كرة القدم في هذه المدينة

محاصر بأحكام مُسبقة

 

ما بين مشاهدة Soul Train في صباح نهايات الأسبوع ، وليلًا برفقة مسلسل مورك وميندي، فاروق يبدو ككائن فضائي هبط في التوقيت الخاطئ، كجزء من تجربة ثقافية كبرى بدأها فريق كوزموس قبل 10 أعوام، في محاولة لإدماج اللعبة ضمن جدول المدينة المزدحم أصلًا بالنيويورك يانكييز والميتس والجيتش والرينجرز والنيكس من البيسبول والهوكي وكرة القدم الأمريكية وكرة السلة، رباعي دوري المحترفين الذي تدور حوله أذهان الأمريكين طيلة العام، فاروق كان القطعة الأفريقية الثانية، التي يمكنها أن تكمل وجود عبد الرازق الغاني، والذي رسخ وجوده هناك، قبل أن يذهب للمقاولون العرب بعدها بسنوات في مفارقة كبرى.

كان على فاروق أولًا حسم كل الثنائيات التي طالما طاردته قبل أن يحسم أمر استمرار مغامرته مع كوزموس، الهواية/ الاحتراف ـ الأب/ الابن (مع حسن حلمي)، الحلم الشخصي/ البيت الأول، المستقبل/ حب الجمهور ، الثراء / التضحية ، الاستقلالية/ الأمان، إنها الثنائيات التي كانت المادة الخام لحالات الابتزاز المتبادل للاعبي الكرة المصريين بداية من السبعينات، كواحد من أولى القطاعات، التي بدأت في التقاط تيارات الواقع الجديد في فترة ما بعد أكتوبر، مع ملاحظة أنها الورقة التي دومًا ما كانت إدارات الأهلي تسوقها كنوع من التفوق الأدبي، هناك دومًا ذلك اللاعب الذي يقوم برمي عرض ما من النافذة مفضلًا البقاء برفقة الجماهير، ومساندًا للاعبيه، إلا إذا رأت الإدارة أن مصلحة اللاعب تقتضي خوض اللاعب للتجربة من أجل إثراء الكرة المصرية!

قرار فاروق بالسفر من روما أثناء رحلة العودة من سبليت Split يبدو متسقاً إلى حد كبير مع واقع جديد عرفته كرة القدم المصرية في ذلك الوقت يتعلق بسفر أو “هروب” حوالي 10 لاعبين من أنديتهم إلى أندية الخليج مباشرة سعيًا للحصول على عقود مغرية ، وقبل كل ذلك ثابتة. فاروق كان بطل الواقعة الأشهر ليس أكثر، وسط مناداة متواصلة من قبل قطاع كبير من اللاعبين إزاء تقنين عملية التعاقد، ربطها بمدة زمنية محددة، ومقابل مادي يشمل تأمينًا صحيًا، وترك عملية مقايضة مستقبل اللاعبين بقضية الشهرة أو الصيت القومي، وهي قضية لا تتخذ بعدًا محليًا فقط، لكن فترة النصف الثاني من السبعبينات كانت الفترة الأكثر صخبًا على مستوى الإضرابات والتوقفات، والتشكيلات التي تأخذ طابعًا نقابيًا من قبل قطاعات كبيرة في الرياضة المحترفة.

جيل الكورتيزون

 

الأمر يبدو أكثر إلحاحًا في السياق المصري في ظل التعامل التلقائي مع كرة القدم باعتبارها في تلك الحقبة أمرًا تافهًا حتمًا، جماهيريًا محبوبًا للأسف، دون الوضع في الاعتبار انتماء فاروق لـ”جيل الكورتيزون”، كمجموعة كاملة من اللاعبين غطست في بحر كبير من التشخيصات الخاطئة والعلاجات غير المكتملة، وتقضية مواسم كاملة تحت (تأثير) المسكنات، ويمكن ملاحظة قائمة الغيابات التي تمتع بها المنتخب المصري من 1977 حتى 1982، وعدد اللاعبين -الذين وقعوا تحت طائلة التقاعد المبكر. يكفي القول بأن فاروق ومعه زيزو- أصغر من مثلوا مصر دوليًا حتى تاريخه كانا على وشك ترك اللعبة معًا قبل إتمام الثلاثين بسبب إصابات تم التحامل معها لبضعة سنوات.


المفارقة الحقيقية أن فاروق انتقل من سياق اقتصادي مصري فرض واقعًا جديدًا تمّ رفضه لتفاهته اجتماعيًا رغم شعبيته جماهيريًا، إلى واقع اقتصادي جديد يبدو بالغ الجدية، باحثًا عن جمهور من نقطة الصفر. فاروق قضى نصف حياته الأول ناسكًا في محراب الهواية ما بين 88 مباراة دولية بمراحل سنية مختلفة (ما بين الجامعة/النادي/المنتخب الأول/الشباب/العسكري)، دون وضع قاعدة عقلانية على أقل تقدير مثل أنظمة شرق أوروبا بالوصول إلى سن الـ28 حتى يسمح له بخوض التجربة، في الوقت نفسه مستقبله يصبح رهينة تلك الهواية خلال نصف حياته الثاني، ليبدأ رحلة العودة الأبدية التي طالما ألهمت الكرة المصرية عامة، والحالة الزمالكاوية خاصة، وهي رحلة عودة الابن الضال، مسار الصفح، سفر العفو، بكائيات عودة عصام بهيج إلى بيته الكبير في “حديث المدينة”، ومن بعده شحاتة أبو كف، تلك الثنائية الحالمة بين اللاعب والخطيئة. فاروق قرر التطهر في 17 مارس التالي، مخاطبًا حسين حلمي في قرار أمر العودة، وتجهيز أمر الاستقبال الشعبي في المطار، الإجراءات التأديبية الأخلاقية، أول ظهور في برنامج النادي الدولي شرح الموقف أمام “الجمهور”، دعم الزمالك للحصول على بطولة الدوري التي ضاعت الموسم الماضي، وعلى المحك في الموسم الحالي.

فاروق أنهى زيارته المعتادة لمبني روكيفيلر سنتر مقر نادي كوزموس ذلك اليوم، على أمل اختبار موقفه القانوني والمادي، مازالت فكرة البقاء غالبة عليه، ملقيًا بنظرات غائمة على الجدارية ذات الطابع السوفييتي بالردهة، ثم بنظرات أخرى على حلبة التزلج الشهيرة الملحقة بالمبنى، كل هذا كان جزءًا من حلمه الأكبر، فاروق أدرك السبعينات جيدًا ، أجاد قراءتها على نحو مذهل، لكنها كانت قراءة قبل الأوان، كان عليه الانتظار حتى قدوم التسعينات حتى يتفرغ فنيًا لإدارة 18 فريقًا خلال ربع قرن، إلى جانب مئات الجلسات التلفزيونية “التحليلية”، كيفية الجمع بين المقابل المادي والصورة، والكثير من السخرية الموازية لهذا لا يضر إطلاقًا، فعملية الـSelf Parody التي صبغت مسيرة ذلك الجيل على مدار العقود الثلاثة الأخيرة أضحت مصدرًا مهمًا للدخل، فاروق اكتشف اللغة الأم مبكرًا ، وهي نفس اللغة التي جعلت الكرة المصرية بقرة ذهبية مهمة لشركة “بريزنتشين”، جعلت من الدوري المحلي في صورته الحالية أشبه بحوض سمك فاخر، لا يُسمح للنظر إليه سوى من بعيد، مجموعة أسماك ملونة تتحرك في دوائر وكهوف بلاستيكية، ومع هذا فالجميع يتناول كعكته منه، حتى دون أن يتحقق الهدف الذي سعى له فاروق وجيله نفسه بجعل هذا السياق احترافيًا بشكل حقيقي، حيث يظل الدوري المصري واحدًا من ضمن حفنة بطولات دوري في العالم ( منها الدوري الصومالي، الإريتري، والإثيوبي) لا يتم الاعتراف بها كبطولة محترفة طبقًا لشروط الاتحاد الدولي، متجاوزًا أكثر من مهلة لتنفيذها.

العودة من كوزموس

 

السير عبر يونيون سكوير وبمحاذاة سنترال بارك كان الجزء المفضل لفاروق أثناء مرافقة صديقه من القنصلية المصرية، لم يكن يعلم بشكل كامل مدى استثنائية تلك الفترة من حياة نيويورك، في واحدة من أكثر فتراتها وحدة وفوضوية، في وسط أزمة الوقود، والتي أضحت منجمًا للنوستالجيا طيلة الـ35 عامًا التالية، خاصة في ظل السعار الذي يلاحق السوق العقاري حاليًا، لم يكن فاروق يطمح سوى ربما في تجاوز ما حققه مواطنه أسامة خليل في فيلادليفيا فوري، مع اقتراب عودته إلى القاهرة في مارس كان فريق بينك فلويد يجتاحون كوينز بألبوم The Wall.

فاروق بلا مباراة رسمية واحدة مع كوزموس، دون نصف المليون التي أعلن عنها، كل تفكيره في إمكانية اللحاق بمباراة المنصورة في مايو (أحرز فيها هدفين لاحقًا)، مع نهاية العام صدر تجاهه حكم بـ15 يوم حبس، وكفالة ثلاث جنيهات في قضية التعدي على جميل المغازي طبيب النادي المصري في مباراة الفريقين في موسم 80 81. كل شيء عاد لموقعه الطبيعي، متمنيًا لسنوات طويلة تذكر اسم الأغنية التي طالما رافقته في أيام تريض يناير الأولى، عن الفتاة التي وضعت لروبرت هولمز سؤالًا في الإعلانات المبوبة :“إذا كنت تحب البينا كولاداس ولا تميل لليوجا، إذا كنت تحب السير في الأمطار، وتملك نصف عقل، فهاتفني“، روبرت هولمز هو الوحيد الذي لبى النداء كاملًا.

انشر تعليقك