كيف تراقب رقيبًا؟

محمد شُعير محمد شُعير

قبل سبعة شهور من بدء نشر ” أولاد حارتنا” في الأهرام، تولي نجيب محفوظ مسئولية جهاز الرقابة على السينما، وهو أصاب الكثيرين بالدهشة، إذ كيف لرجل يدعو للحرية وينادي بها ويتّخذ من الديموقراطية شعارًا ثابتًا له، ثم يرضي أن يكون رقيبًا على الفن، ويحدّ من حرية الفنانين؟
فَسَرَ محفوظ موقفه لرجاء النقاش:” أن الرقابة- كما فهمتها- ليست فنية، ولا تتعرَّض للفن أو قيمته، ووظيفتها- ببساطة - أن تحمي سياسة الدولة العليا وتمنع الدخول في مشاكل دينية قد تؤدي إلى الفتنة الطائفية، ثم المحافظة على الآداب العامة وقيم المجتمع وتقاليده في حدود المعقول، وفيما عدا ذلك يحق للفنان أن يقول ما يشاء، ويعبِّر عن نفسه بالأسلوب الذي يراه مناسبًا”، وأضاف:” الرقابة ليست قيدًا على الفنان والرقيب ينبغي أن يكون صديقًا للفن لا عدوًا له، وأن دورنا كرقابة هو فى مساعدة شركات الإنتاج حتى لا تتعرض لخسارة مادية لا داعي لها، وبالتالي فإن أي ملاحظات فى السيناريوهات المقدمة لنّا يمكن حلها بالمناقشة والحوار، مع الأخذ في الاعتبار أن الأصل في الفن هو “الإباحة” أما “المنع” فهو مثل الطلاق أي أبغض الحلال. وطوال الفترة التي أمضيتها بالرقابة كنتُ مُنحازًا للفن، رغم أن الأجواء بها تحمل روح العداء للفن. لم أشعر، في لحظة من اللحظات، أنني أخون نفسي كأديب وفنان “.
لم يكن محفوظ المثقف الأول، الذى يتولى مسئولية رقابية، تاريخيًا فقد سبقه العقاد الذي تولى أثناء الحرب العالمية في الفترة من 1939- 1945 جهاز الرقابة على المطبوعات، وأعلن العقاد أنه قَبَلَ المسئولية حتى يستطيع أن يمنع كتب الدعاية النازية والفاشية وغيرها من النظم الشمولية.

حورب محفوظ بسبب منصبه الجديد، ومن أبرز الطرائف التي يحكيها فى مذكراته: “لقد اختلفت مع مثل هذه العقليات كثيرًا، فعندما ظهرت أغنية “يا مصطفى يا مصطفى“ للمطرب الشهير بوب عزام، وتقول كلماتها: “يا مصطفى يا مصطفى، أنا بحبك يا مصطفى، سبع سنين في العطارين“، فوجئت بمراقب الأغاني يصدر قرارًا بمنعها، رغم أن الأغنية تذاع في الراديو، ويغنّيها الناس في الشارع، ولمّا سألته عن سبب قرار المنع أعطاني أغرب إجابة يمكن أن أسمعها في حياتي، إذ قال لي إن مؤلف الأغنية يقصد بها “مصطفى النحاس“ وأن “سبع سنين“ الواردة في الأغنية تشير إلى مرور سبع سنوات على قيام ثورة يوليو 1952، إلى هذا الحَدّ من ضيق الأفق كانت العقليات التي تعمل معي في جهاز الرقابة“.

فى حوار مع محفوظ حول “القبلة“ قال محفوظ أنه كرقيب كان يوافق على القبلات بأنواعها كافة، ما عدا واحدة، تلك التي تستقر على العنق، خصوصًا لو طال زمنها على الشاشة أكثر من دقيقة.

سألوه في حوار صحفي: هذا عن الشاشة ماذا عن الواقع، ماذا تفعل كنجيب محفوظ الإنسان لو رأيت شابًا وفتاة يختلسان قبلة في الشارع؟ أجابهم: “أبدًا أُبعد وجهي الناحية الأخرى، وأبتسم وأقول: أوعدنا يا رب“.

لم يبق محفوظ فى منصبه طويلًا، مجرد عام واحد فقط، بعد نشر “أولاد حارتنا“. رفض محفوظ أن يخوض معركة دفاعًا عن روايته“ القاهرة الجديدة“، التي رفض الرقيب عبد الرحيم سرور أن يتم تحويلها إلى فيلم. اعتبر محفوظ أن هذه المعركة تخص المخرج وكاتب السيناريو، وليس له الحق فى أن يخوضها. استمر رفض الرقابة تقديم “القاهرة الجديدة“، و أيضا رواية “ السراب“ لسنوات..قبل أن ينتصر الفن في النهاية!

انشر تعليقك