وجوه في الماء

عمرو عزت

رسم؛ جوجو

ينتبه جسدي بالكامل لحظة انغماسه في مياه نيل دمياط. يتشوَّش إحساسي في اللحظات الأولى. ذكرى أول قفزة في نيل القاهرة منذ شهور قليلة، بداية تدريبات سباحة المسافات الطويلة، مع ذكريات المشي الطويل من البيت إلى النيل وعلى جانبيه، منذ أن أصبحت أكبر ويمكنني الذهاب بعيدًا. المشي بلا هدف إلا المضي بمحاذاته والجلوس في مواجهته وتأمل جريانه البطيء المُثقَل بأشياء لا أعرفها.

ها أنا الآن فيه. أشعر بهذا الثقل. تختلط ذكريات هيبته بذكرى لمس يدي لكيس بلاستيك أو قطعة خشب أو أشياء رخوة مجهولة الهوية علقت بذراعي أو رجلي. رؤيتها من الخارج لا تفسد هيبته كثيرًا. لحسن الحظ أن القليلين فقط هم من يفكرون في السباحة فيه، على الأقل في القاهرة. نيل القاهرة الجميل الملوث. من أين تأتي كل هذه الأشياء فيه؟ أعرف من أين تأتي طبعًا. أفكر أنني ربما ألتقي هنا الأشياء نفسها التي التقيتها في نيل القاهرة. هل سبحت تلك الأشياء ببطء مع التيار شمالًا في طريقها إلى البحر المتوسط لألتقي بها مرة أخرى والتيار يتباطأ وهو يمر بين دمياط وراس البر، حيث أنا الآن أخوض أول سباق كسبَّاح مسافات طويلة؟ 

من المفترض أن يكون السباق الأول في مسيرة طويلة تبدأ، ولكني أفكر كل يوم لماذا بدأتها وكيف أُنهيها، ولا أجد أمامي إلا الاستمرار. 

أسبح ببطء نحو قارب الفريق، حيث ينتظرنا المدرب ومساعده. يتجمع فريقنا المُكوَّن مني واثنين آخرين حول القارب، أنا ومراد ومنار. اختارنا المدرب، الذي لا أذكر له اسمًا ولا وجهًا، لنخوض التجربة، أول بطولة للجمهورية للفريق الذي شكَّله حديثًا نادي يخت الجيزة. جمَّعنا من فرق سباحة المسافات القصيرة لعدة أندية. أتذكره واقفًا على حافة حمَّام سباحة نادي الترسانة يتفحصني أنا ومراد ونحن نلتقط أنفاسنا بعد سبرينت خمسين متر حرة، يعاين صفقته الجديدة ويتحدث إلى مدربنا وقتها في نادي الترسانة، أذكره جيدًا: محمد عبد الجليل، يشبه المطرب محمد فؤاد وجهًا وجسدًا. 

تستمع أمي باهتمام إلى كابتن محمد، وهو يخبرها أنها فرصة ممتازة؛ عقد انتقال إلى نادي اليخت، هناك مبلغ مالي معقول كمُقدَّم ومرتب شهري معقول أيضًا، يشكلون فريقًا جديدًا للسباحة الطويلة وينتقون سباحين جيدين لكن لا فرصة لهم في مسابقات المسافات القصيرة. يضحك ويقول لأمي إني”مُسن” بمعايير فرق المسافات القصيرة، بدأت تدريبات السباحة بشكل جاد في سن الثالثة عشرة، وفي السادسة عشرة صرت «مُسنًا». من أجل أن تُحقق أرقامًا تنافسية في المسافات القصيرة يجب أن تبدأ صغيرًا جدًّا، من يبدؤون متأخرين هم نواة جيدة لفرق المسافات الطويلة، بدلًا من السرعة الخاطفة يتدربون على الصبر والتحمل بسرعات معقولة. ردد كابتن محمد كلمة «معقولة» كثيرًا. محبطة جدًّا كلمة «معقولة» في سن السادسة عشرة. سن خيالات الأشياء غير المعقولة وتحطيم الأرقام القياسية وترقُّب كونك «رجل المستحيل» في شيء ما. 

يضيف كابتن محمد، كأنه ينصح أمي بتزويجي قبل فوات الأوان، أن قبولي لعرض نادي اليخت نقلة جيدة؛ الطريق هنا -في نادي الترسانة- مسدود. هو نفسه ربما ينتقل للعمل كمحاسب قريبًا في شركة دولية بعد أن ينهي اختبارات مستوى ما في اللغة الإنجليزية. تقول له أمي: «ربنا يوفَّقك يا كابتن محمد في أي مجال». 

ينتبه لإحباطي فيقول إن فرصتي في السباحة الطويلة ستكون أفضل من مراد الذي سبقني منذ قليل بثانية أو أجزاء منها، ولا يبرر كلامه. يتركه هكذا غامضًا كرأي خبير لا يفصح عن تحليلاته، ربما لأنها غير موجودة. رغم ذلك تحمست قليلًا لهذا الإطراء. 

بعد أسابيع ربما، كنا في حفل تكريم كابتن محمد عبد الجليل قبل رحيله وبداية عمله كمحاسب. تسأله إحدى الأمهات، التي يبدو أنها تحمست كثيرًا وكأنها في حفل تكريم حسام حسن –مثال يناسب فترة التسعينات: «ما نصيحتك للشباب؟». 

تتوه عيناه في الأفق لثوانٍ قبل أن يقول: «اللغة. اللغة أهم حاجة». 

يقصد طبعًا الإنجليزية. كأنه يقول لنا اهربوا من هنا، من هذا النادي، من كل الأندية الفقيرة، ربما من مصر.

تفلت من أبي بجواري ضحكة ساخرة. يجلس أبي وبيده المفاتيح ينتظر انتهاء هذا التكريم. حفل التكريم كانت فكرة الأمهات، راعيات رياضة الأبناء. الآباء ينظرون إلى الكابتن محمد ومفاتيح سياراتهم في أيديهم، ليسوا معنا فعليًّا، هم في وضع الاستعداد للانطلاق من هنا.

يردد أبي بصوت خفيض نافد الصبر: «لغة إيه؟! إيه علاقة دا بالسباحة؟!».

شردت قليلاً  في علاقة اللغة بالسباحة على خلفية من تصفيق الأمهات وقلة من الآباء المتحمسين لأهمية اللغة في حياة أولادهم. 

قبِلنا أنا ومراد عرض نادي اليخت. نحن أيضًا سنرحل من هنا. الكابتن الجديد، الذي بلا اسم ولا وجه في ذاكرتي، ضمَّنا لستة آخرين، لا أذكر منهم سوى منار. في التدريبات، أنا ومنار نحقق أرقامًا قريبة، تسبقني أحيانًا وأحيانًا أسبقها، ويسبقنا دائمًا مراد. نشأت بيني وبينها ألفة صامتة ومنافسة مسترخية وابتسامات تشفٍّ مرِح عندما تسبقني وتكشيرة حزينة تمثيلية عندما أسبقها. لم نتكلم كثيرًا، مع أني فكرت كثيرًا ماذا يمكن أن يُقال. أرتبك كل مرة أراها بملابسها الكاملة، أول مرة رأيتها كانت بالمايوه، بدا ذلك عاديًّا. عضلات جسدها الرياضي تخفي أنوثتها التي تظهر في ملابسها العادية أكثر. ربما في حياة أخرى سأقول لها ذلك.

قلت ذلك لمراد يومًا، فنظر إليَّ وهز رأسه متعجبًا. بينها وبين مراد مناوشات خافتة، يغازلها أحيانًا تلك المغازلات التي بلا هدف، فترد عليه بابتسامات التسخيف، فيضحك ويتوقف. هو أكثر حذرًا معها على عكس عادته مع أي أنثى عابرة، قال إن التهور مع فتاة من الفريق نفسه وتراها أربع مرات أسبوعيًّا مثل التبول في حمام السباحة وقت التمرين. اعترف لي أنه يتبول عادة وسط التمرينات التي تكون في النيل، وطلب مني اعترافًا مماثلًا، ثم ضحك بهستيريا. أشعر بالحرج أحيانًا من ضحكه الصاخب ومن تهوُّره، ولكن لا أنكر أنه كان مسليًّا ويستمع لأحاديثي عن الكتب ويسخر منها بشكل ظريف، حتي إني أتعمد معه ذكر بعض الأفكار التي أقرؤها وأراها سخيفة لأستمتع بحسه الساخر العنيف وهو يمسح بها وبأصحابها البلاط. 

نراوح أنا ومراد ومنار في أماكننا في النيل أمام القارب، نعوم بأكفنا وأقدامنا في المكان، ننظر إلى الكابتن من خلف نظارات السباحة كأسماك غرائبية تتفحص صيادها، يتحدث إلينا بكلمات تشجيعية بصوت غارق في الملل، كأنه يرمي طُعمًا لا نأكله.

يصرخ فجأة مساعده: «عمووورة! ميروووو! منمووونااا! تماسيح النيل! أبطال مصر!».

يكمل الكابتن بامتعاض مكتوم من صراخ المساعد. يخبرنا أن قارب الفريق سيتحرك ثم يقف في منتصف تراك السباق الذي يبلغ طوله كيلومترًا، ومن المفترض أن نقطعه عشر مرات؛ خمسًا ذهابًا عكس التيار وخمسًا إيابًا مع التيار. يجب أن نتوقف لثوانٍ عند القارب كل مرة نمر عليه لشُرب المياه وتلقي التعليمات، لا يجب أن نتوقف كثيرًا في أثناء السباق أو ننظر في ساعاتنا المقاومة للمياه، هو يحسب سرعتنا وسيخبرنا. يحذرنا أن نقسو على أنفسنا كثيرًا، اشتراكنا في البطولة هدفه التجريب واكتساب خبرة المسابقات، لا يجب أن ننهي المسافة كلها، خمسة كيلومترات أو ستة تكفي. إذا شعرنا بتعب شديد أو ألم عنيف في العضلات يجب أن نسبح ببطء إلى أقرب قارب من قوارب المتابعة، وإذا كنا ضد التيار فلندعه يجرفنا إلى أقرب قارب خلفنا.

فكرت إن كانت كلمة القارب لها علاقة بالقُرب.

يحذرنا الكابتن من الاشتباك مع السبّاحين الآخرين لأي سبب. لم أفهم.

في الكيلومتر السادس فهمت، أطبقَت كفٌّ على قدمي، شدَّتها الفتاة إلى أسفل واتكأت عليها لثانية كانت كافية لأتوقف مرتبكًا وتتقدم هي في طريقها. كانت قد شدت قدمي اليمنى فدُرت إلى اليمين بينما مرت هي عن يساري وجسدها يحتك بجانبي الأيسر وظهري. شعرت بملمس مايوه الفتاة في كتفي اليسرى، وربما اصطدمت ذراعي بوجهها.

عدَّلت من وضع نظارتي ولم أُبدِ أي رد فعل. أكملت السباحة بسرعة أقل وأنا أختلس النظر إلى الأمام بعد التقاط النفس لأجدها تتقدم بسرعة تفُوق إيقاع السباحة المعقول لمسافة طويلة، تحاول الهرب بفعلتها، كانت ترتدي مايوه أحمر. تركتها تتقدم وأكملت أنا بالإيقاع المعقول.

بعد ستة كيلومترات كنت قد وصلت إلى حالة من الاستسلام، يدي مجروحة وأشعر بلزوجة شيء ما عالق بقدمي. 

في الكيلومتر الثالث، خبطت يدي في قطعة خشب طافية بها مسمار جرح ذراعي جرحًا طفيفًا وقطَع سوار ساعة يدي وفقدتها. وفي الرابع علقت رجلي بشيء أُخمِّن من ملمسه أنه كيس بلاستيك ربما به بعض القمامة اللزجة. توقفت عند قارب الفريق ووضع لي المساعد مُطهرًا على الجرح. دون أن ألمس القارب بيدي -لأن ذلك مخالف للقواعد- رفعت رجلي تحت الماء وحككتها بالخشب الأملس المطلي لجانب القارب المغمور بالماء، بلا جدوى.

بعد الكيلومتر الخامس، لم أعد أفكر في الجدوى، استسلمت لكل شيء، لا قلق من قرف العوالق أو ألم الجرح الخفيف. جسدي يتحرك بانتظام متقدمًا إلى الأمام بسرعة فقدت القدرة على تقديرها، كأنني مشدود إلى قارب يشق الماء بثبات. 

عندما شدَّت الفتاة قدمي، فكرت أنني ممتن لثوانٍ لهذا التوقف الإجباري في منتصف السباق؛ لا يمكنني أن أتوقف هكذا وأرفع رأسي كليةً من الماء إلا لسبب ما أو عند قارب الفريق، وإما سيبدو ذلك علامة فشل. لحظتها انتبهت أني قضيت وقتًا طويلاً الشهرين الماضيين ووجهي تحت سطح الماء. لا توجد رياضة أخرى تجعلك هكذا بوجه غارق كل هذا الوقت. في تدريبات سباقات المسافات القصيرة، يبدو الأمر كاستثناء سريع قبل أن ترفع وجهك مرة أخرى للعالم بعد ٥٠ أو ١٠٠ أو ٢٠٠ أو حتى ٥٠٠ متر. لكن عشرة كيلومترات بوجه في المياه؟ 

كم سنة مرت على الكابتن ليبدو ملولاً هكذا ليبدو وكأنه فقد وجهه بالأسفل، أو كأن وجهه اعتاد اللاتعبير واكتفى بانتظار لحظات التنفس والتواصل السريع العملي مع من في قوارب المتابعة أيام كان سباحًا.

لم أكن، ولا أزال، مولعًا بإبداء مشاعري عبر تعبيرات الوجه، لكن الأمر بدا لي وقتها كعقاب قاسٍ. ماذا كنت أفعل في الساعات الطوال للتدريبات في حمَّام السباحة أو النيل بوجه في الماء. أفكار تمر ثم تتساقط سريعًا إلى القاع مع التواء عنقي لكي أرفع فمي عن الماء لالتقاط النفس. التنفس هو أهم ما أفعله. وقود الماكينة التي تعمل وحدها داخل جسدي بفعل التدريب الطويل، ربما أيضًا بفضل توقُّف كل أشكال اللغة.

لاعبو الرياضات الأخرى يتكلمون، يزعقون، يصرخون، يبتسمون، يتجهمون، يتصارعون. في السباحة، لا نفعل شيئًا سوى السباحة. حتى الفتاة، التي شدت رجلي، فعلت ذلك ومرت بلا أي تواصل، لم يلتقِ وجهانا. هي أيضًا بلا وجه. وأنا لها بلا وجه. مسابقة بين سابحين بلا وجه ولا لغة. 

في الكيلومتر السابع، أشرب بعض العصير من كوب بلاستيكي أبيض ناولني إياه المساعد. عصير لشيء ما لا أتبينه. أكره علب عصير الكوكتيل التي بلا مذاق محدد. يخبرني الكابتن أن هذا يكفي إن كنت تعبت. أسأله عن مراد. يخبرني أنه يتقدمني بدقائق. أخبره أنني تمام وسأكمل. أنا بالفعل لا أشعر بشيء. هو التعب الرياضي الذي يتماهى معه الجسد وينزعج من توقُّفه. التوقف عند القارب فعلًا أصبح يزعجني، لولا الحاجة إلى مياه نظيفة بدلًا من مياه النيل المعكرة التي تتسلل إلى فمي، وأيضًا تلك الدفقة التي يعطيها القليل من العصير المسكر. أعيد إلى المساعد الكوب فيتناوله ويصرخ: «عاااش عمووورة!».

للمساعد وجه مبتسم متحمس دائمًا، حتى وهو يخاطب الكابتن، الذي لا تتغير تعبيرات وجهه. أشعر وكأن المساعد يبتسم ساخرًا من الكابتن ومن صوته الرتيب المناقض لكليشيهات المدربين التي يقولها. ربما الحماسة المبالغة الودودة للمساعد مقصودة منه لتُشكِّل -إلى جانب برود الكابتن- كاريكاتيرًا.

أبتسم ابتسامة خفيفة وأفكر أنه ها هي الابتسامات واللغة في السباحة الطويلة، لكن أعود وأفكر أنها توجد فقط عند فواصل التوقف. يؤكد هذا فكرتي. 

أترك نفسي لجسدي يسبح، الأصوات المكتومة لضربات ذراعيَّ في الماء وصوت تنفُّسي هي كل ما أسمع. 

في الكيلومتر الثامن، أشعر وكأنني تحت تأثير مخدر قوي، في التاسع تبدأ سرعتي في التراجع، الماكينة وصلت إلى أقصى حدودها، أشعر وكأني أغوص إلى الأسفل لا أسبح إلى الأمام، مجرد شعور، ما زلت على السطح. دوار خفيف. أتوقف عند أقرب قارب. قارب فريق آخر. يناولني واحد منهم الكوب نفسه به ماء. أتناوله فيسقط من يدي المرتعشة في الماء. يدي تريد أن تكمل عملها في السباحة ولا تستجيب لغير ذلك. يسألونني إن كنت بخير. يصرخ مساعد لا أعرفه: «اطلع لو تعبان». أنظر إليه بلا تعبير، أضع وجهي في الماء وأضرب الماء بذراعيَّ ورجليَّ وأستمر. أفكر بلا سبب في البكاء، أشعر بالشفقة على نفسي، أتذكر جدتي راقدة في الغيبوبة بلا حراك، جسدها سابح في شيء ما نحن على شاطئه. أتخيلها تُسبِّح سرًّا، من دون سِبحتها وحركة أصابعها. أفكر في العلاقة بين السباحة والتسبيح. التكرار؟ الاستمرار اللاواعي؟ الانشغال بالتكرار والاستمرار عن الفعل نفسه؟ 

إنه الكيلومتر الأخير، ضد التيار، يتحول التعب إلى ما يشبه التهيج المنهَك. ضرباتي أبطأ لكن داخلي مشتعل. أشعر بانتصاب. أرتبك لكن بشكل ما يحمسني ذلك. حماسة مرتبكة. أقف للمرة الأخيرة عند قاربنا. صورة مغبشة للمساعد يطلق صراخًا لم أعد أسمعه، مراد جالس في القارب ينظر إليّ بوهن ولكن بابتسامة مشجِّعة. كيف عرف كابتن محمد عبد الجليل أنني سأصمد أكثر من مراد؟ وكيف تجاوزت مراد دون أن أنتبه؟ أنتبه أنني فقدت الانتباه إلى باقي المتسابقين وأنا أسبح. كأني وحدي في النيل. 

نصف كيلومتر على نهاية السباق. ربما قطعته في نصف ساعة أو ساعة أو ربما شهر. لا أذكر بعدها أني رأيت الكابتن أو المساعد أو أبي أو أمي أو أي شخص. في ذاكرتي، خرجت من النيل إلى البانيو في الفندق، قعدت على أرضية البانيو تحت الدش والماء يضرب رأسي. يرد لي ضربات الكيلومترات العشرة. غائبًا ومنتشيًا. ربما بكيت قليلًا أو ضحكت، أو ربما كانت أفكارًا داخلي. كأني واحد آخر أراني أرتدي بيجاما صيفية ثم أسبح في ملاءة بيضاء باردة. أتنفس الهواء المكيِّف للغرفة من دون حركة رقبتي. رقبتي كأنها غير معتادة على ذلك، ترغب في التحرك مع كل نفس. ذراعاي ورجلاي مندهشة أنني أطفو فوق السرير بلا ضربات. الضربات والتواءات الرقبة داخلي. ما زلت أتنفس من فمي. 

وجهي نصفه منغمس في الملاءة الجافة والنصف الآخر مندهش من رائحتها المنعشة. استيقظت ككلب وجد رائحة طعام. دجاجة مغطاة بورق فويل، أكلت ثلاثة أرباعها ربما، أو قالوا لي ذلك، وشربت نصف لتر زجاجة عصير كانت بجوارها. لا أذكر أي كلام أو وجوه. ربما تتوحش الحيوانات لأنها حين تجوع لا تجد لغة. نوم وأحلام مظلمة كقاع النيل. 

أفتح عينيَّ على ضوء الفجر الواهن يمر عبر الستائر. أنتبه للمرة الأولى أنني في فندق آخر غير فندق الفريق. أخواي على سريرين بجواري. يبدأ عقلي في ترتيب الأحداث، أتذكر أن الأسرة قررت المجيء لتشجيعي، حجزوا فندقًا آخر في الضفة الأخرى من نيل دمياط، لنقضي يومين إضافيين على شاطئ راس البر. أنا أتيت للنيل وهم أتوا للبحر. لا أحد هنا يأتي من أجل النيل أو يبحث عن النيل مثلما في القاهرة، هنا ينتصر البحر بأفقه اللانهائي على النيل الذي ترى ضفته الأخرى، يذهب الناس إلى اللسان، حيث يلتقي الاثنان، ويبتلع البحر مياه النيل. 

أقوم متحاملًا على عضلاتي المنهَكة. بجوار بقايا الدجاجة والعصير على الطاولة الجانبية غلَّاية وأكواب وشاي وسكر. أُعِدُّ كوب شاي، يدي لا تزال ترتعش قليلًا؛ لم تنسَ بعد. أخرج إلى البلكونة، تطل على شارع جانبي في نهايته البحر. ها هو أفقه اللانهائي المنتصر، مياهه تبدو ساكنة من بعيد. سخونة الشاي في جوفي تصارع برودة مقيمة فأسمع صوت قرقرة معدتي. أحدق في الشاي وأنا أرشف ويبدو لي كمياه بحر محمرة قليلًا.

أرفع وجهي وأنتبه إلى فتاة ترقص في بلكونة البناية المقابلة. ذهني غائم وتبدو كأنها أحد أحلامي. أنا في طابق عالٍ، ربما الرابع أو الخامس، وهي في الدور الأول. تضع فوق أذنيها سماعتين كبيرتين متصلتين بإطار فوق شعرها، والسلك المتدلي من الإطار يمتد إلى جيب شورت أحمر. ليس ساخنًا. شورت عادي فضفاض على بلوزة بيضاء بكمين قصيرين. تتمشى راقصة إلى ركن البلكونة، تلتقط قطعة ثياب من سلة الغسيل، ثم تعود برقصة مختلفة إلى حيث المنشر. أحاول تخمين نوع الموسيقى. أحاول تخمين إن كانت تلك شقة فندقية أم هذا بيتها. أفترض افتراضًا متسرعًا أن نشر الغسيل يدل على أنها تسكن هنا. أتذكر أن أمي أحيانًا تصر على أن نضع ملابسنا بأنفسنا على المنشر بعد أن غسلتها. توزع أمي علينا مهامَّ صغيرة لمساعدتها في كل مصيف. أشعر بأنه لا يجب أن يفعل الإنسان في المصيف أي شيء سوى الكسل والاستمتاع. تفعل أمي كل شيء تقريبًا بينما نتبرم أنا وإخوتي من مهام صغيرة. لم أكن قد كبرت بما يكفي ليدرك نصف الطفل الذي كنته وقتها بديهية عالم الكبار: كل متعة معها تعب لا بد من تحمُّله. الفتاة، التي ترقص، ربما تشعر بعد قليل بالتعب، التعب من الرقص، ربما هو أجمل من مجرد تعب نشر الغسيل. ربما مزجت التعَبَين ليكون التعب مرتبطًا بمتعة ما. لكي أتمشى معها على البحر مثلًا، يتطلب هذا مجهودًا وتخطيطًا. لن أفعله، ولكن مجرد التفكير فيه ممتع، بقدر ما هو متعب أن يخطط الطفل الذي يريد أن يكبر كيف يمكن أن يقترب من فتيات بعيدات، أو أي فتيات عمومًا. هذا بخلاف تعب الخيالات الجنسية التي كانت لا تزال اكتشافه الجديد الممتع المتعب. 

هل أشعر حقًّا بالمتعة في أثناء السباحة؟ لست متأكدًا من شعوري تجاه التعب غير المعقول لسباق الأمس، لكن وضع وجهي في الماء يبدو لي الآن تعذيبًا لا يُطاق. كأني أنتبه إليه للمرة الأولى، أفكر إن كنت يجب أن أكمل هذا التعب أو أن أجد عذرًا للهرب منه. لماذا يجب أن أجد عذرًا؟ أفكر أن هذا الوقت، الذي يلزمني فيه أن أجد عذرًا لكيلا أفعل ما لا أريد، يجب أن ينتهي. هذا الصيف ستُعلَن نتيجة الثانوية العامة وسأكون مشغولًا لاحقًا بالجامعة ومتاعب أخرى. لا أقصد أن هذا عذر، أقصد أنه مع بداية الجامعة سأكون شابًّا مستقلًّا -بشكل ما- لا يجب أن يبحث عن عذر ليتوقف عن السباحة. تبدو لي هذه الأيام حفلًا ختاميًّا لسباحة طويلة ليست بلا جدوى تمامًا. من اللطيف أن يكون الإنسان رياضيًّا. هل يشعر كل الناس بالإثارة الجنسية بعد ممارسة الرياضة؟ لا أدري هل يحرص الآباء على ممارسة أولادهم المراهقين الرياضة لكبح شهوتهم أم لتنميتها، أم هذا أنا فقط؛ لأني أكبح نفسي عمومًا، على الأقل من الخارج. لست مثل مراد، يحدق في منار والأخريات ويرمي إليَّ بتعليقات عن كل تفاصيلهن، أنا أكبح رغبتي في تأمُّل هذه التفاصيل ولكن أكملها في خيالي. أشعر بانزعاجهن من تحديق مراد، أحيانًا أشعر بانبساطهن. ربما أفوز بشيء في نهاية الفيلم كبطل مهذب لا يطارد الفتيات ولكنه في الختام يفوز بالسباق وبأجمل الفتيات. هل هذا هو ما يحدث بهذا الشكل الكاريكاتيري؟ سبقت مراد وهذه الجميلة السمراء ترقص في البلكونة بينما أشرب الشاي. 

ينزلق كوب الشاي من يدي. أحاول السيطرة عليه فيلسع الشاي يدي ويهوي الكوب الزجاجي. أعود إلى الداخل سريعًا قبل أن تنتبه السمراء إلى الأحمق الذي أفلت كوب الشاي، فلا أسمع صوت تهشُّم الزجاج على إسفلت الشارع. أتمنى ألا يُصاب أحد. أتمنى ألا تكون قد لمحتني فتظن أني مجنون أشرب الشاي ثم ألقي بالكوب الزجاجي من البلكونة إلى الشارع. لا أنكر أن الفكرة أعجبتني للحظة، كبطل فيلم يلقي السيجارة قرب انتهائها بلا اكتراث.

أعود إلى السرير فيتذكر جسدي تعبه ممزوجًا بتعب آخر جميل، يتذكر رقص السمراء. يُعِدُّ خيالي خطة سريعة فألتقيها في الطفطف مصادفة فتقول لي إنها رأتني في بلكونة الفندق المواجه لبيتها، أقول لها إنني هنا من أجل سباق المسافات الطويلة، تنبهر وتخبرني أنها لا تجيد السباحة مع أنها تسكن قرب البحر، أخبرها أنني يمكن أن أعلمها السباحة في وقت لاحق، تقول إنها موافقة ولكن علينا أن نعود إلى بيتها الآن لتنشر الغسيل وإلا غضبت أمها، نتمشى على البحر عائدين، نضحك وأغازلها بمزيج من الخجل والجرأة، أستعير تفاصيل جرأة مراد، فتتدلل وأتشجع، ونعود معًا إلى بيتها في الدور الأرضي، وتخبر أمها أنني أتيت لمساعدتها في نشر الغسيل فتوافق، وندخل إلى غرفتها ثم إلى البلكونة وترقص على موسيقى غير مسموعة وهي تتناول مني قطع الملابس وتضع المشابك في فمها بإغراء، ثم أوقف ذلك كله لأني اقتربت من الوصول، فأشدها بقدر من العنف اللذيذ، فتتحول إلى منار التي تبادلني التقبيل بعنف وتعض شفتي فأعض شفتها وأنا أعتصرها بكفي حتى أبلغ الذروة، وينتهي الأمر وتتبخر الخيالات فجأة، وأجدني وحيدًا مع شعور بالذنب والخدَر، أتقلب في السرير أتأكد أن أخويَّ ما زالا نائمَين، وأنام. 

في الصباح المتأخر، استمتعت بدش بارد، ثم إفطار ساخن وإطراء دافئ من أبي وأمي لكوني «بطلًا» أنهى المسافة كلها في أول سباق كان من المفترض أنه فقط للتجريب. أخواي كانا محايدين أو ربما ملَّا الانبهار ببطولات الأخ الأكبر التي لا معنى كبيرًا لها خارج نطاق الأسرة. ذكَّرتني أمي بما قاله كابتن محمد عبد الجليل وأنه يظن أني سباح مسافات طويلة أفضل من مراد، وقال أبي إن الكابتن الجديد مندهش أني أكملت المسافة رغم قصر فترة تدريبي، صحيح أنني كنت في المركز الأخير لمن أكملوا السباق، ولكن لا أحد من المبتدئين أكمل السباق غيري. في المركز الأخير لترتيب لأبطال، أو في المركز الأول لترتيب المبتدئين. اللغة يمكنها أن تجعل أي شيء يبدو عظيمًا أو تافهًا. عمووورة تمساح النيل الصغير، بصوت مساعد الكابتن. في المساء، اجتمع الفريق على البحر. الكابتن أثنى علينا جميعًا، وقال إنها كانت تجربة عظيمة. لم يخصني بشيء. أتت منار تضع ضمادة طبية على شفتها السفلى. ترتدي شورتًا أحمر فضفاضًا مثل التي كانت ترتديه البنت في البلكونة. 

رحل الكابتن ومساعده سريعًا؛ ليعودا إلى أسرتيهما. أسرتا مراد ومنار هنا أيضًا. كل الأسر هنا لقضاء يومين في راس البر.

اقترح مراد أن يفعل ثلاثتنا شيئًا، جولة في المدينة مثلًا. قالت منار إنها أيضًا يجب أن تعود إلى أسرتها، ولكنها تريد قبل أن ترحل أن تصارحني بشيء، وضحكَت. توترتُ وتحفَّز مراد بابتهاج. قالت إنها هي نفسها الفتاة التي شدت رجلي في السباق، فعلها أحدهم معها فقررت تجربتها بشكل عشوائي فكنت أول من لاقته. لم تتعرف عليَّ في البداية، ويبدو أن رجلي الأخرى عندما فقدت توازني اصطدمت بوجهها وجرحت شفتها. «نبقى خالصين. ههههه. سلام». ابتعدت وهي تضحك محرجة.

نظر إليَّ مراد وهز رأسه في أسفٍ ساخر، يفكر في ما أفكر فيه نفسه: بدلًا من أن تعترف بحب سري لي كتمته طيلة الشهور الماضية تحوَّل الموضوع إلى شلاليت وجروح. ضحكت وحكيت له ونحن نتمشى قصة فتاة البلكونة التي انتهت بسقوط كوب الشاي، وضحكنا معًا على نفسي. اشترى هو علبة عصير واشتريت شايًا، هذه المرة في كوب بلاستيكي، من النوع نفسه الذي كان فيه عصير الكوكتيل. رأينا الطفطف قادمًا تتلوى عرباته بضجيج معدني ينافس الموسيقى الصاخبة المحشرجة من سماعاته الرديئة. أشرنا له وسحبت رشفات كبيرة قبل أن أركب؛ لكيلا ينسكب عليَّ ونحن نترجرج مع الطفطف.

حولَنا بعض الكبار وكثير من الفتيان والفتيات في مجموعات منفصلة، المختلطة منها تُخمِّن أنهم أشقاء أو أقارب، وغير المختلطة أتخيل أنها تريد أن تختلط، ينظرون إلى مجموعات الجنس الآخر بحذر، ربما يفكرون في ما يجب قوله من أجل الاختلاط، ككلاب تريد اللعب ولكن لا أذيال لديها لتهزها وتحظى بالتعاطف. 

جلسنا في مواجهة فتاة وطفل. أخوها غالبًا. عمرو دياب يغني: «ولا ليلة، ولا أجمل من دي ليلة، بين إيديَّا حبيبي بعد سنين طويلة».كان مراد يغني معه ويشير للبنت مع «ولا أجمل» و«حبيبي». مراد يجد دائمًا طريقة، أتوتر. 

وسَّعت البنت عينيها وفتحت فمها باندهاش مستمتع، ارتبك أخوها وحدَّق في مراد بذعر، فقال له: «إزيك يا حمادة؟»، فلم يُجِب. اكتفيت أنا محرجًا بلمحات سريعة لها ومراد يكمل غناء الأغنية وهي مستمعة، بدأت تهز رأسها مع اللحن. 

تطلَّعت إلى البحر بجانبنا ومن يتمشون على الكورنيش المزدحم. سألني مراد بصوت مسموع للفتاة لماذا أنظر إلى فتيات أخريات هناك بينما تجلس في مواجهتنا بنت زي القمر. تصنَّعت الفتاة غضبًا متدللًا ورفعت كفَّها لمراد وقالت: «كفاية!». 

أخبرها أننا سباحان، كنا في سباق الأمس. سألتنا: «أي سباق؟». 

–  سباق العشرة كيلو في النيل.

–  ياااه عشرة كيلو بحالهم!

–  أنا ما كمِّلتش، خرجت بعد تسعة كيلو بس ما قدرتش. تخيَّلي الخيبة، فاضل كيلو واحد بس، لكن عمرو كمِّل السباق كله.

وصرخ مقلدًا مساعد الكابتن: «عمووورة تمساح النيل!». 

أخوها الصغير فاجأته الصرخة فارتعش من الخضة، اعتذر مراد له بصوت خافت ضاحكًا: «آسف والله، وأنا مراد..»، وصرخ مرة أخرى فيه: «ميروووو تمساح البانيو». أحيانًا ما تنفد الأفكار من مراد ويكون سخيفًا. ولكن الفتاة تبدو مبسوطة. احتضنت الطفل وهي تضحك وتعاتب مراد بعينيها.

أخبرته أنا بهدوء وبابتسام مرِح أن «يخف شوية»، محاولًا أن أخفي توتري من عواقب ما يحدث، فهز رأسه ويداه قرب ذقنه مقلدًا التحية اليابانية، لي ولها وللولد. قال لها إن أخاها ليس وحده من ينخض بسهولة، وحكى لها -وأنا متجمد من الحرج- أنني رأيت من الفندق بنتًا جميلة ترقص في البلكونة فسقط كوب الشاي من يدي إلى الشارع. فضحكت وقالت لي وهي تنظر إلى كوب الشاي في يدي: «خلي بالك بقى».

حاولت الابتسام بحرج، وتأكدت أني أمسك كوبي بإحكام. كان قرارًا خاطئًا أن أشتري شايًا وأركب به الطفطف، أو أنه كان قرارًا خاطئًا ركوب الطفطف قبل انتهاء الشاي. أحيانًا لا نعرف ما الخطأ بالضبط إن لم توجد خطة ويوجد هدف. ما الخطة؟ وما الهدف من ركوب الطفطف ومن شرب الشاي، ومن السباحة ووضع وجهي في الماء كل هذه الساعات؟ وما هدف مراد من هذه المناوشات؟ وما هدفي من إيقافه؟ ومن الذي فاز بالبطلة الجميلة في نهاية الفيلم؛ أنا أو مراد؟ وهل هذه هي بطلة الفيلم أم فتاة البلكونة أم منار؟ وما هذا الفيلم المتخيَّل أصلًا؟

انتبهت أني شردت للحظة، أتأمل في كوب الشاي. أخذت رشفة من كوب الشاي لكي يبدو تحديقي بهدف ما. كان من المفترض أن أرد بشيء ما، ولكن ما الهدف من ذلك؟ استعاد مراد زمام الحديث مرة أخرى وقال شيئًا وقالت له شيئًا. شعرت بالضيق أن المشهد تجاوز جملة حوارية مفترضة كان عليَّ أن أقولها. عدت بوجهي إلى كوب الشاي، رشفة ثم أتامل ظلمة البحر والسماء، لا أتخيل نفسي في الصباح أضع وجهي في ظلمة مياه البحر الداكنة هنا، ولا أتخيل وجهي في مياه النيل مرة أخرى، وجهي الآن في الكوب، أتخيلني أسبح فيه، ووجهي طوال الوقت في تلك الظلمة المحمرة للشاي. أفكر كيف لم أنتبه إلى لون مايوه منار أو أن أعرف من ملامح جسدها أنها هي. أراها في ظلمة الشاي تسبح بحركات راقصة، كانت بملابسها العادية ومشبك غسيل في فمها.

 

-*النص من كتاب “ليس مصيفًا في هوليوود”، قصص وقصائد ورسوم ل٢١ مؤلفًا ومؤلفة. الموجة الأولى من مشروع #لنتخيل_البحر، عن مشروع وزيز للنشر.