والنمور لحجرتي

والنمور لحجرتي

الفصل الأول

أحمد ناجي

الفصل الأول: كفن الشاورما السوري

نقفُ هنا على بنيان يوشك أن يتهاوى في أي من الفصول التالية. فتح “نسيم” الباب فرأى بقع الدم على رقبتها وصدرها والجاكيت الذي ترتديه. فزع وتراجع خطوة للوراء. ابتسمت وقالت: “لا تقلق أنا بخير، ليس دمي”.

همَّ بعناقها فاتحًا ذراعيه، صدته بيدها، وقالت: “علقت في مظَاهرة ورائحتي قنابل دخان”. دخلت المنزل، ثم أغلقت الباب خلفها. استدارت ومدَّتْ رأسها، فقبلها قبلة على الخد الأيمن للترحيب وواحدة على الأيسر للصَّداقة.

وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا.

لاحظت تكدس كراتين وصناديق خشبية في الصَّالة، فأخبرها أن شريكه في السكن بسبب الأحداث الأخيرة وحظر التجوال توقف عن تقديم عروضه في الفندق، فلم يعد أحد يهتم بعروض السحر، خصوصًا بعد توافر العجب والموت في الشوارع.

رغم معرفتها بالشقة جيدًا، فإن صناديق وأدوات وملابس الساحر “مجدي” أضافت أبعادًا مختلفة للمكان، جعلتها تتوقف مع كل خطوة لتتفحص ركام الألعاب والخدع والأيادي الخفية.

شعرت أن الشقة اتسعت، على الرغم من المفردات المتناثرة التي تكدس بعضها في أكوام هرمية صغيرة تصل إلى حد السقف. بدا نسيم خجولاً من هذا الوضع، وبدلاً من الاطمئنان عليها أو سؤالها في أي مظاهرة كانت، ولمن هذه الدماء، أكمل لها حكاية الساحر “مجدي” كما يظن أنه يعرفها.

فخال الساحر مجدي أول من علمه الصنعة وخفة اليد، لكنه فضّل للعمل أسلوبًا آخر، وانفصل عنه محققًا قدرًا من الشهرة حتى إنه سافر أكثر من مرة لتقديم عروضه في الخارج. مع ذلك حافظ على مودته وتقديره لخاله. تشارك الاثنان في تأجير مخزن ناحية “كوبري الخشب” لتخزين الملابس والإكسسوارات وأحيانًا ما يستخدمونه للتدريب أو كمعمل لتطوير الأفكار وتجديد الحركات. مع تدهور الأحوال لم يعد الخال يدفع إيجاره.. قاطعته فرح، “أنا محتاجة استحمى مش مستحملة ريحتي ولا الدم اللي عليا، عندك تي- شيرت نضيف؟”

“عندي” قالها واتجه لغرفته، تبعته واستحثته ليكمل حكاية الساحر مجدي قائلة: “وبعدين؟”

“أبدًا يا ستي” تحمل مجدي إيجار المخزن، لأنه يحب السحر ويحب خاله، لكن تدهورت الأحوال، ورفع صاحب المخزن الإيجار فلم يستطيعا الدفع، لذا أحضر مجدي كل الأغراض إلى المنزل.

أخرج نسيم “تي- شيرت” أبيض. رفعه أمام صدر فرح، وقال أظن هذا يناسبك. أنزلت سحاب الجاكيت الجلدي الذي ترتديه، فبان قميصها الأزرق أسفل منه، مُلطخًا بالدماء. خلعت عنها الحقيبة الجلدية الصغيرة. علقتها في مقبض باب الدولاب، ثم نضت عنها الجاكيت ووضعته على الكرسي المقابل لطاولة الكمبيوتر، وأجهزة التوليف الموسيقي حيث كان نسيم يعمل قبل وصولها. سألته “ألديك منشفة في الحمام؟” لكن لم تنتظر الرد واتجهت إلى الممر الذي يقع في آخره باب الحمام.

رفع نسيم الجاكيت الجلد الخفيف عن الكرسي. لمس بقعة الدم المتجلطة عليه. قربها من أنفه وشمها. عرق، دخان، وحرائق. علّق الجاكيت على مقبض الباب وجلس على كرسيه.

نظر إلى الشاشة ولم يتذكر ما الذي كان يفعله، فشغل الملف الصوتي الظاهر أمامه. كان الملف مجزءًا إلى “تراكات” مُنفصلة غير مُدمجة، لحن يضم في جنباته ما لا يقل عن 12 آلة موسيقية مُختلفة إلى جانب عشرات المؤثرات المتباينة. عمل رائع في الفرن يتم طهوه، ولكن مرة أخرى خبط نسيم كفيه بوجهه، ولعن حظه وسب الدين لنفسه.

انتابت هذه الحالة نسيم عدة مرات مؤخرًا، يندمج لساعات طويلة للعمل على مقطوعة موسيقية ما. تستغرقه التفاصيل. يشعر أنه ينتج أعظم وأجمل موسيقى، يحس بالنبضات ترقص في شرايينه. ينفصل عن محيطه ويتوحد هو والآلة. لحظات نادرة يصبح فيها الكمبيوتر لا شاشة وكيبورد وماوس، بل آلة موسيقية يتصل بها عضويًّا ويتبادل معها المحبة والحب والابتكار، ثم فجأة يقطعه من هذه الحالة أي سبب، كرنين التليفون أو مقاطعة الساحر مجدي، أو زيارة مُفَاجئة من فرح، فيشعر بيد بَاردة تقرص معدته، وحينما يعود يجد أنه نسي ما كان يفعله، ويصير على حالته الآن، أبله في مواجهة الكمبيوتر يعافر ليستعيد اللحظة التي انسابت.

حفظ الجلسة والملفات التي يعمل عليها في ملف خصصه لهذه التجارب باسم “سقط الذاكرة”.

مسودة الصفحة الأولى من رواية والنمور لحجرتى - أرشيف الكاتب

مسودة الصفحة الأولى من رواية والنمور لحجرتى – أرشيف الكاتب

تمطى في الكرسي، وقام ليجلس على الوسائد العربية المفروشة على الأرض. تحتوي غرفة نسيم على سرير خشبي صغير، دولاب، وطاولة العمل التي يطلق عليها “الاستديو”، وفي الزاوية عدد من الوسائد والمساند الإسفنجية، و”طبلية” بلدي من البلاستيك ماركة الهلال والنجمة، عليها طاولة معدنية تحمل “سبرتاية” قهوة وثلاثة فناجين، وبرطمانًا للشاي، وآخر للقهوة وثالثًا للسكر. على الطبلية  مطفأة سجائر ممتلئة، منشور دعائي لصالة رياضية مطويًّا نصفين، علبة سجَائر وقطعة حشيش، ودفتر ورق بفرة، مجموعة قصصية لمحمد حافظ رجب، بكرة مناديل حمام، أوتار جيتار، مناديل مطهرة معطرة محفوظة في كيس خاص مغلق لحمايتها من الجفاف، موبايل نوكيا قديم الطراز، سماعات موبايل، وثلاث ولاعات. تناول واحدة صفراء هزها، ثم أشعل بها السبرتاية.

أمسك كنكة القهوة. قام من مكانه متجهًا إلى المطبخ، مشى في الممر الذي احتل نصفه تابوت خشبي ترفعه أربع أرجل بيولوجية.

توقف في منتصف الطريق ثم استدار عَائدًا إلى بَابِ الحمام، وضع أذنه عليه فسمع صوت المياه المنهمرة. نادى من خلف الباب. “فرح تشربي قهوة؟”. “إيه؟” جاوبته، فكرر النداء “تشربي قهوة؟” توقف انهمار المياه للحظة وجاءه صوتها “بتقول إيه؟”. “باقول لك تشربي قهوة؟”. “يا ريت!” جاوبته.

***

ثقل الطريق وكثافة المسيرة حين نمشيها على الأقدام تختلف إذا قطعناها محلقين في الطائرة، أو مبحلقين في شاشة خريطة إلكترونية، ونقطة بيضاء تمثل شخصيتنا الافتراضية وهي تقطع الطريق، بينما نراقبها. بحلق نسيم في البن الذي تتكاثف طبقاته في الكنكة، حينما سمع صوتها تسأل “ما هذا؟”.

انتبه مستفيقًا من غيبوبته، وإن كانت أقرب لخلسات الكرى. نظر حوله، صوتها يأتي من الممر، ولم يكن بإمكانه أن يخمن عن ماذا سؤالها.

  • إنتي بتسألي عن إيه؟

ظهرت على باب الغرفة، تلف منشفته الزرقاء على رأسها، ترتدي التي- شيرت الأبيض على اللحم.

في “تي- شيرته” الأبيض القديم الذي يحمل شعار معسكر إعداد القادة بحلوان، باهتًا من تكرار الغسيل، كانت جميلة فقط. شعر نسيم بثقل الشهوة على تفكيره، لكن فارت القهوة، فأسرع لالتقاط الكنكة من فوق السبرتاية. كررت سؤالها “التابوت اللي في الممر، بيعمل بيه إيه؟”

أجابها وهو يصبّ القهوة “ليس تابوتًا، بل لعبة كفن الشاورما السوري.”

اختفت في الممر للحظات ثم عادت واقفة في الباب، ممسكة سيفين لامعين أشبه بسكاكين الشاورما. تموضعت مقلدة بطلات أفلام الحركة. بدا الباب حولها كإطار لوحة، واللوحة موضوعها ساقاها العاريتان، والمنشفة الزرقاء، تاج الأميرة المحاربة.

من رسومات الفنان ميجو ضمن الرواية

من رسومات الفنان ميجو ضمن الرواية

حركت ذراعها اليمنى في حركة دائرية وهي قابضة على السيف. رفعت ذراعها اليسرى من أسفل إلى أعلى، وقفت في وضع استعداد قتالي بالسيفين، قلدت بفمها أصوات المؤثرات الصوتية في الأفلام. ابتسم نسيم وانفثأت فقاقيع السعادة في معدته. حركت ذراعيها وناورت بالسيوف بعشوائية، في حركة غير محسوبة رفعت السيف الأيسر عاليًا فارتطم نصل السيف بدرفة الدولاب المفتوحة، لينزلق المقبض من يدها، وبقوة رد فعل الارتطام ارتد نصل السيف ليرتطم بكتفها، ثم وقع على الأرض مُصدرًا صليلاً معدنيًّا. انبثق الدم من كتفها. تأوهت وقالت “آي”. قهقه قائلاً “يا دين أمي”، أوشك أن يكمل سخريته لكنه شاهد بقعة الدم الحمراء تتسع تحت التي- شيرت.

نهض فزعًا ومد يده إليها، رمت السيف الثاني على الأرض وهي تتأوه، وأجلسها بجواره. الجرح لا يتجاوز طوله السنتيمتر، لكن الدم يسيل  قانيًا. قبض كومة من البن، باليد الأخرى، وجذب طرف الياقة، لكنه لم يكن ليطول الجرح. شمر كم القميص حتى كتفها ثم وضع البن على الجرح.

“آه!” تأوهت.

كتم الجرح بالبن. شعر بحرارة جسدها تحت أصابعه، رفع يديه ليعاين الوضع، كتفها مثل أصابعه مغطاة بالدم والبن. ود لو ينحني ويلعق دماءها المخلوطة بالبن. سألها “بتوجعك؟” نفت بهزة من رأسها.

رشفت القهوة. ثم وضعت الفنجان وتناولت حزمة مناديل ورقية من فوق الطاولة. وضعتها مكان الجرح.

 

من مسودة الفصل الأول من رواية والنمور لحجرتى- من أرشيف الكاتب

من مسودة الفصل الأول من رواية والنمور لحجرتى- من أرشيف الكاتب

 

كانت ذات نهدين صغيرين، شفاه دافئة، ذراعين قويتين اكتسبتهما بحكم المنهة، عينين بنيتين يعلوهما حاجبان مُنمقان، أكملت ثمانية وعشرين عامًا منذ بضعة أشهر، تحب الجبن بمختلف أنواعه، وتكره الزيتون الأسود وأسماك المياه العذبة. ولدت في الإسكندرية وشهدت منذ ساعات مذبحة صغيرة. أما هو فيصغرها بخمس سنوات، لم يخرج اليوم من المنزل ولا يعرف ما يدور في الخارج ولا يهتم بأن يعرف، لا يثق في السياسيين ويحب الموسيقى، ويرغب أن تكون عمله الوحيد. لديه شفتان ممتلئتان، وبشرة بيضاء تكسوها مسحة من الصفرة، ويشعر برغبة جارفة في أن يسقط الآن على الأرض ويمرغ وجهه في بياض فخذيها. حمدًا لله أنه يرتدي بنطالاً فضفاضًا يداري على انتصابه المفاجئ. ثم انفجرت فرح باكية.

ارتبك، نادى عليها رغم وجودها أمامه “فرح .. مالك؟”، ارتفع نحيبها. شعر أن الصح أن يمد ذراعيه لها، يحتضنها كما يفعل الصديق لصديقته، كما فعلت هي له حينما كان محطمًا مكتئبًا، استمعت وربتت على ظهره. هذا النوع من البكاء يعرفه جيدًا وأي كلام سينطق به سيزيد من النحيب، ما يحتاج إليه الباكي في تلك الحالة هو الحضن، جسد آخر يتكئ عليه. لكنه خجل من هذه الخطوة بسبب شهوته التي فاجأته، وانتصابه الذي اشتد أكثر مع دموع فرح. أخذ يتأتئ ويتلفت حوله ويهمس، “فرح، حصل إيه بس؟ فرح، مالك؟” بعد تردد، مد كفه ووضعها على كتفها، ربت عليها ببرود محاذرًا أن ينسل أي خيط من مشاعره المضطربة. تناولت فرح منديلاً من بكرة المناديل، كومته في يدها ومسحت دموعها.

هدأ البكاء وتحول النحيب إلى خنين. التقطت نفسها وتحول الخنين إلى هرنفة. عرض عليها نسيم أن يلف لها سيجارة، فهزت رأسها موافقة.

أشعل السيجارة وأخذ منها نفسًا ثم سألها: “الدم دا منين؟ وكنتي فين؟” تناولت السيجارة من بين أصابعه وقالت “مش مهم دلوقتي”. كل الحكايات متشابهة، كل من في البلد وجدوا في تعدد الأجساد أضمن طريقة للقضاء على تنوعها. الفرد أصبح غير ملحوظ بل غير مرئي، والجموع صارت هي ما يمنح للتعبير حيثية. الجميع يتقدم في طوابير ومسيرات بالحماس ذاته، سواء أكانوا في طريقهم نحو نيران البنادق ودخان القنابل أو نحو مول تجاري جديد.

رن هاتفها، فناولته السيجارة ونهضت لتخرج الهاتف من حقيبتها المعلقة في مقبض الدولاب. غرق نظر نسيم بين كفليها، لم يفهم لماذا تتحرك عارية هكذا حوله، حينما كانت جالسة أمامه منذ لحظات كان بإمكانه رؤية كل شيء، حتى إنه لاحظ عدم وجود أي شعرة بين فخذيها، كس بريء براءة النونو الوليد. ثم تبخر كل هذا حينما سمعها تجيب على الهاتف “أيوه يا حبيبي”.

خرجت من الغرفة ممسكة بالموبايل. كانت تتحدث إلى أحمد، وتطمئنه أنها بخير، تهمس بشوقها له، تطلب منه شراء سجائر وجبن رومي وخبز فينو. تبددت شهوة نسيم، أحس أنه يخون نفسه أولاً قبل خيانته لصديقه. أنبه ضميره، لكن مذاق الخيانة على طرف لسانه بدا أشهى من تفاح الجنة المحرمة.

رن جرس الباب فقام من مجلسه متجهًا إلى باب الشقة. كانت تختم مكالمتها مع زوجها “باي يا حبيبي”. سألها وهو يناولها السيجارة مرة أخرى “كله تمام؟” فقالت:

  • آه.. أحمد سيمر ليأخذني إلى المنزل، إنت مستني حد؟

جاوبها وهو في طريقه ليفتح الباب “مش عارف”. دخلت الحمام، في حين فتح هو الباب فوجد الساحر مجدي يحمل تحت ذراعه اليمنى إنسانًا آليًّا يبلغ طوله نحو متر، وفي اليد الأخرى ثلاث بلالين كبيرة؛ حمراء، زرقاء، وخضراء. سأله نسيم وهو يتنحى عن الباب ليسمح له بالدخول “فين مفتاحك؟” ناوله البلالين حتى يتمكن من عبور الباب، “نسيته عند خالي، امسك دول كدا”.

أمسك نسيم البلالين الثلاثة، كل واحدة يبلغ قطرها  النصف متر. أفلتت البالونة الحمراء من يده، لكن بدلاً من أن تسقط على الأرض بفعل الجاذبية وتتحرك تحت تأثير قوانين نيوتن للفيزياء، طارت في خط مستقيم باتجاه باب الحمام المغلق.

  • تعالي هنا، رايحة فين؟

نادى الساحر مجدي على البالونة الحمراء، ثم سأل نسيم “حد هنا؟”. قال له نسيم “آه فرح”. بتلقائية رد مجدي “سلامتها إيه اللي عورها، جرح كبير؟”. أجاب نسيم “كانت تلعب بسيوف التابوت وجرحت نفسها”. شعر الساحر بخجل شديد حتى بان اللون الأحمر على وجهه ذي البشرة السمراء، محرجًا أجاب “أنا آسف جدًّا، أوعدك في أقرب وقت سأجد مكانًا لكل الأدوات، أنا أعرف أن البيت ليس المكان المناسب لهذه الأغراض”.

ود نسيم لو يحتضن الساحر مجدي حينما نطق بهذه العبارة الأخيرة. لم يقابل نسيم  من هو ألطف وأجمل منه. في عالم متوحش ومدينة قذرة ووحوش يلهثون في سباق الفقر والمذلة يبدو مجدي بأخلاقه وذوقه كفارس من زمن مختلف. لم يسمعه يتعارك أو يرفع صوته عاليًا. لم يترك كوبًا أو ملعقة مُتسخة خلفه. حينما يغسل الملابس يكوي ملابسه وملابس نسيم، لم يعرف نسيم أن البوكسرات والملابس الداخلية يمكن كيها، إلا حينما انتقل للسكن مع مجدي. برر الأخير الأمر بأن كي الملابس الداخلية خطوة مهمة لقتل البكتيريا وتطهير الملابس. يعرف الساحر الخدع السحرية التي تجعل الحياة أسهل، حينما يُسد حوض المطبخ أو البانيو في الحمام يحضر بيكربونات الصوديوم، ويسكب البودرة في البلاعة ثم يسكب الخل، فتخرج الفقاقيع والرغاوي من البلاعة، وتنحل السدة وينساب الماء.

كان مجدي هو من شجعه على إنتاج موسيقاه الخاصة، وحثه على عدم استنزاف طاقته في العمل للآخرين. يذكِّره دائمًا بأحلامه في الصباح، فمجدي لديه القدرة على رؤية أحلام الآخرين إن كانوا نائمين على بضعة أمتار منه. لم يتبرم يومًا من الموسيقى التي يلعبها نسيم مهما ارتفع صوتها، وإن كان نائمًا، لا نجده يصحو منزعجًا ليطالب بخفض الصوت. سأله نسيم مرة إن كانت الموسيقى تزعجه، لكنه أجاب “لا. حينما أذهب للنوم فلا أكون هنا”.

دائمًا بشوش، يحب الاستماع إلى موسيقى الميتال في الصباح، لا يحب شرب الشاي. طويل القامة، أسمر البشرة يرتدي نظارات مستديرة تشبه نظارات “هاري بوتر”، ولا يرتدي القمصان الكاروهات، يحب سلسلة أفلام “مملكة الخواتم” ويعتقد أنها مبنية على أحداث حقيقية، يبدو أنيقًا في البدلة الرسمية السوداء حينما يذهب إلى العروض. يشعر بالخجل منذ اضطراره إلى تحويل البيت إلى مخزن لأدواته، ولا يكف عن الاعتذار إلى نسيم عن ذلك.

أنزل الساحر مجدي الروبوت الذي يحمله على الأرض. فحصه وتأكد من استقامة هيكله ثم صفق بيديه وخاطبه: “هالو شلبي، هل تسمعني؟ إن كنت تسمعني بربش بعينيك مرتين”. أغلق الروبوت الشبيه بأطفال البشر جفنيه وفتحهما مرتين.

شبيه بأطفال البشر لكن ليس لديه جلد بشري وبدل العظام واللحم لديه مفصلات معدنية وسلوك حمراء وخضراء. مد مجدي يده وسط غابة الأسلاك في معدة الروبوت المفتوحة، ثم سحبها وأخرج بطارية صغيرة حجم بطاريات الريموت كنترول، أسدلت ستائر النسيان ونزلت أجفان الروبوت على عينيه.

فتحت فرح الباب وهذه المرة ترتدي البنطلون الرمادي الذي أتت به، وإن كانت لا تزال ترتدي التي- شيرت الأبيض بلا حمالة صدر تحته. قفزت البالونة الحمراء في الهواء، فزعت فرح وهمت بالتراجع داخل الحمام، لكن البالونة كانت أسرع منها وهبطت على كتفها الجريحة. مرة أخرى لم تتبع البالونة قوانين نيوتن المقدسة بل التهمت كتف فرح. هرول مجدي نحوها “أنا آسف، لا تخافي لن تؤذيك”. ثم خاطب البالونة الحمراء غاضباً “سخمت عيب كده” لكن البالونة أكملت التهام كتف فرح.

معالجات مسودة الفصل الأول من رواية والنمور لحجرتى- من أرشيف الكاتب

معالجات مسودة الفصل الأول من رواية والنمور لحجرتى- من أرشيف الكاتب

شعرت فرح بزغزغة باردة في البداية، ثم أحست بعشرات الأصابع الصغيرة تدلك جرح كتفها. نظرت باندهاش للبالونة الحمراء التى تحولت لدمل ينبثق من كتفها، لم تعد تشعر بآلام من جرح كتفها، بل كأن هناك قطة تلعق جرحها فيطيب. اقترب مجدي مُمسكًا بالبالون الأخضر والبالون الأزرق، ضرب الاثنين أحدهما بالآخر ثم أخذ يضغط أكثر فتداخلا حتى صارا بالونًا واحدًا سماوي اللون. نادى مرة أخرى على البالون الأحمر بلهجة متوعدة “سخمت، سأعد لثلاثة”. ارتفع البالون الأحمر عن كتف فرح مُغَادرًا. طار بخفة مثل أي بالون وهبط على البالون السماوي، التهم كل منهما الآخر حتى أصبح الاثنان بالونًا أبيض. بحركة مسرحية بيده الأخرى انحنى الساحر مجدي، انحناءة تحية الجمهور.

-برافو..

صفق نسيم، فصفقت فرح. فتح مجدي باب غرفته ورمى البالون الأبيض وأغلق الحجرة، وقال:

-اعذريني، أنا آسف.. عفاريت الثلاثة.

تحسست فرح أثر الجرح الذي التهمه البالون سخمت وردت عليه “على إيه؟ بالعكس”. شدت ياقة “التي-شيرت” ونظرت إلى الجرح. التأم كأن لم يكن.

مدت يدها إلى الساحر مجدي لتناوله الجوينت، فتناوله منها “الله وكمان فخفخينا، أنا طول اليوم نفسي في جوب. الشوارع مليانة مظاهرات واتعذبت بالحاجات دي في الزحمة”.

دخل الثلاثة  غرفة نسيم. جلست فرح ونسيم على الوسائد الأرضية بينما جلس مجدي على السرير وأشعل الجوينت. لاحظ نسيم أن نهدي فرح حدودهما واضحة تحت “التي-شيرت”. شعر بحرج بالغ من جلوسها هكذا أمام مجدي، على الرغم من أن مجدي بدا غير مهتم، إذ أخذ يحكي عن والدته التي هاتفته اليوم وصرخت في التليفون تطلب منه العودة إلى البيت. تذكر نسيم أن فرح دائمًا ما عبرت عن ضيقها من حمالات الصدر، وكثيرًا ما ارتدت ملابسها دون حمالات صدر، لذا جلوسها دون حمالة صدر لم يكن تصرفًا جديدًا عليها، بل مشاعره تلك هي الإشارة لاضطراب علاقته بفرح، شيء ما حدث اليوم. تمنى لو لم يأتِ مجدي. لو كان أجرأ، لو أنه غامر بكل شيء وسقط مغشيًّا عليه أمام ساقيها. في جسمه فارت الهرمونات والفرمونات ولم يعرف هل يعاني من الهيجان، أم رغبة تطفو في محيط الذات وتشب برأسها ممسوح الملامح.

يريدها هنا بجواره، يريد أن يتحدث معها كأنما يتعرف إليها للمرة الأولى، يريد أن يتحدث بلسانه وسائر أعضائه، يريد التهامها، أن يفتحها وينقب عن هذه النقطة، هذه الجاذبية الوحشية الغامضة التي تؤرقه.

كأنما تنبهت لما يدور في ذهنه نظرت إليه، سألته “نزلت لي الألبوم الذي طلبته منك؟” بحلق فيها دون إجابة، نزعت المنشفة عن شعرها، وانساب شعرها مجعدًا مبلولاً على كتفيها. كررت جملتها “هالو إنت فين؟”. انتبه كمن عاد  من عالم آخر، تلعثم ثم رد: “لا لسه بانزّله”.

لكي ينقذ نفسه من بحر الظنون، تشبث بحكاية مجدي فسأله:

-يعني إنت هتروح لأمك في الآخر والا إيه؟

ينتمي مجدي إلى عائلة نابهان وحوش المقاولات، يملكون أكثر من كمبوند سكني ومشاريع عقارية في الإمارات، المغرب، أوكرانيا، وشبكة علاقات تختلط فيها السياسة بأنشطة اقتصادية مختلفة. عمه كان أحد رموز الحزب الوطني قبل الثورة، وتعرض للمحاكمة والسجن بعد الثورة، لكن والده وإخوته يعملون بعيدًا عن السياسة. أما عائلته من جهة والدته فكما يصفهم ساخرًا دائمًا من كبار تجار الآثار والسلاح في الصعيد، مجموعة من الأشراف يمتلكون امتيازات قبلية متوارثة منبعها نسبهم الشريف. هذا النسب جعلهم يتبرؤون من خاله حينما قرر احتراف مهنة الترفيه وخفة اليد. قاطعته العائلة، لكن والدة مجدي حافظت على روابط الأخوة. كان يأتي لزيارتهم، وبالطبع يستعرض أمامهم بعض الألعاب الخفيفة. حيثما حل ينشر “سام” البهجة والضحك والتفاؤل. ووقع مجدي في حب خاله، وحينما صار مُرَاهقًا أصبح يشتري كتب تعلم خدع الورق والألعاب السحرية كلما سافروا إلى الخارج، نفذ كل طلبات عائلته وكان مثال الابن البار حتى تخرج من الجامعة الأمريكية وقالوا له مبروك يا باشمهندس، لكنه سلم الشهادة لوالده، وتبع مصير خاله تاركًا المنزل.

عائلة مجدي توقعت هذا المصير. علق والده “على الأقل لم يدمن المخدرات ويمشي سكران يدهس الناس” في إشارة لابن أخيه الذي تورط في سنوات الحزب الوطني فيما سيعرف بمذبحة ملهى أركاديا.

إخوته الذين يديرون أعمال العائلة احترموا قراره، نصحوه بالسفر والعمل في الخارج، بل تدبر أخوه الأكبر فرصة له للعمل في لاس فيجاس، رأوا في سفره هناك تخلصًا من إحراجه لهم وفرصة له لتحقيق ذاته والنجاح والعمل في صناعة التسلية العالمية. لكنه رفض دائمًا مغادرة مصر لفترات طويلة.

شرح الأمر في ساعة روقان لنسيم، نوع السحر الذي أمارسه ينبع من مدرسة “كيمت”، وطموحي أن أسعى لتطوير السحر الكيمتي، وأضيف إليه العلم الحديث والخدع العصرية. كما أن ارتباطه بالخال سام وإصرار الأخير على البقاء في مصر، جعلا مجدي أكثر رفضًا لكل محاولات العائلة إرساله للخارج.

لا يوجد سبب واضح لوقوع الخال سام في فخ عشق الكحول، هو فقط اكتشف مذاقه فقرر التخلي عن العالم وتشييد عالم آخر قوامه الفودكا. ومع ذلك واظب مجدي على دعمه، أرسل إليه فرص عمل متنوعة، وعروضًا بسيطة بدايةً من حفلات عيد ميلاد الأطفال وحتى حفلات ترفيهية خاصة لشيوخ وأثرياء عرب. دفع إيجار شقته، حاسب على مشاريبه في البارات، رماه في تابوت الحقيقة لكي يفيق، نوّمه مغناطيسيًّا وجعله يعبر النهر ذهنيًّا لكي تنكل به ماعت وتحاسبه على تبديد صحته، وفي كل مرة يفيق من نوبات السكر، يتخلص من الزجاجات، يقسم لمجدي إنها آخر مرة، يجدد له مواثيق الحب والإخلاص. يتنهد مجدي ويحتضن خاله ويقبله، يقضي معه الليل ويقيم معه لبضعة أيام. تسير الحال من أفضل لأفضل لبضعة أسابيع وأحيانًا شهور ثم ينتكس من جديد، ومن جديد يبدأ مجدي معه.

بقرة مذبوحة - من مسودات الفصل الأول من رواية "والنمور لحجرتى لم أدع" - من أرشيف الكاتب

بقرة مذبوحة – من مسودات الفصل الأول من رواية “والنمور لحجرتى لم أدع” – من أرشيف الكاتب

لم تكن لمجدي حياة اجتماعية، لكن موضوعه المفضل كان عائلته. أدرك أن نشاط عائلته الاقتصادي والسياسي يستهوي من يقابلهم، فإن كان الشخص من المحموقين يتقمص سريعًا شخصية الابن العاق الذي تمرد على عائلته بسبب فسادها، وإن لاحظ أن محادثه شغوف بالنميمة تحدث عن فضائح عائلته متفاخرًا بعمه الذي تسرب له شريط سكس مع راقصة شهيرة، أو أخيه الأكبر المشهور بحفلاته الباذخة وشركات إنتاجه السينمائي والموسيقي. لم يلمح نسيم لدى مجدي أي فخر بتلك العائلة، بل وأحيانًا ما شك في انتمائه إليها، العائلة لمجدي موضوع للتسلية يستخدمه للتقرب من الآخرين على حسب شخصية الآخر الذي يحادثه. فمع فرح الآن يتحدث عن أمه، وقلقها عليه الذي يدفعها إلى ارتكاب حماقات، ومحاولاتها لتزويجه. وبمثل هذه القصص يتأثر المستمع كما فرح الآن فتتعاطف مع الأم أو تقهقه ضاحكة، وها هي فرح تضحك، وحينما تضحك تظهر غمازتاها واضحتين، ويتمنى نسيم لو يلثم هاتين الشفتين بالقبل، لكن الرياح تأتي والهاتف يرن مرة أخرى.

ينتبه نسيم إلى أنه أحمد، يقول لها: “خليه يطلع”. تخبر أحمد على الهاتف “نسيم بيقول لك اطلع نشرب سيجارة”. يسمع الرد بصوت أحمد متسربًا من سماعة التليفون “مرة ثانية معلهش”. “طيب حاضر نازلة لك”. تغلق الهاتف وتبدأ في جمع أشيائها وسحابة ضيق على وجهها.

***

لمدة ثلاثة أيام اندلعت المظاهرات في أرجاء البلاد. المعلقون قالوا إن الوضع سينفجر قريبًا ولا يحتمل هذه الضغوطات، لذا لم يكن هناك عمل لدى نسيم. قضى تلك الأيام في المنزل يمزج الأغاني والإيقاعات، ويحاول إنتاج مقطوعة موسيقى إلكترونية قرر تسميتها “فرح”. منذ زيارة فرح الأخيرة لم يخرج من المنزل إلا للضرورة. لم يرَ إلا الساحر مجدي. اتصلت به أولفيا أكثر من مرة لكنه تهرب منها مدعيًا انشغاله بالعمل.

تتوزع حياة نسيم الاجتماعية بين عوالم مختلفة. أحد تلك العوالم، شبكة علاقاته بالأجانب المقيمين والزائرين بالقاهرة. منذ قصة حبه ذات النهاية التراجيدية، فتح له أحمد وفرح باب ذلك العالم. عرّفاه أولاً إلى كاترين. طالبة ماجستير فرنسية جاءت لإعداد دراسة على عينة بشرية من شباب الثورة، حينما نام معها أول مرة طلب منها أكثر من مرة أن تقرصه ليتأكد أنه لا يحلم. احتضنته تعبيرًا عن سعادتها بسعادته، قبلته من رقبته حتى خصره ثم منحته أول “بلوجوب” في حياته، بعد أن افتضت بكارته ومارست الجنس معه.

تصنّع نسيم في مرته الأولى الخبرة والمعرفة، بالطبع لم يخبرها أنها الأولى. نظرته للحياة تغيرت بعد تلك المرة. شعر أنه أتم الرجولة والبلوغ وبإمكانه أن يرى الحياة كما يراها الرجال، تبدت له قصة حبه التراجيدية السابقة كمغامرة تنتمي لعالم الطفولة البعيدة، لم يكن حبًّا بكل تأكيد بل هبلاً، هكذا قال لأحمد بعد فترة، ورد عليه أحمد “ألم أقل لك ذلك؟”.

لم يقع في حب كاترين، كما لم يقع في حب أولفيا، واكتشف أن العلاقات الإنسانية -خصوصًا بين الرجل والمرأة- تحتوي على أشكال متنوعة ومتعددة ولا تنحصر في الصداقة أو الحب. كل علاقة مُغَامرة جديدة لاكتشاف أراضٍ وعالم جديد.

كشفت له العلاقة مع الفتيات الأجنبيات عن نوع آخر من النساء، هو الذي لم يعرف سوى بطلة قصة حبه التي أحبها في الثانوية. قرر ألا يدخل في علاقة مع أي فتاة مصرية، وبرع مع الوقت في تقديم كل الصور الاستشراقية الذكورية التي تحبها فتاة بيضاء تبحث عن نفسها في الشرق. بالطبع كان هناك ضحايا، وارتكب الكثير من الأخطاء دفع ثمنها غاليًا، حينما علمت كاترين بخيانته لها جن جنونها وشهرت به وبمارجو الفتاة الإنجليزية، وأثّر هذا في صورته في الوسط الاجتماعي للأجانب الذي كان وسطًا ضيقًا، ويعاني من نقص حاد بعد تناقص أعداد الطلبة الأجانب في مصر نتيجة اضطراب الأوضاع السياسية، لكنه تعلم من التجربة أن استراتيجيات الخروج من العلاقة في أهمية استراتيجيات دخولها، وتطور أسلوب “دع الطعام حتى يبرد”.. ببساطة مثلما يفعل الآن مع أولفيا يتعلل بالانشغال، ثم يختفي ولا يرد على التليفونات، يبتعد حتى تبرد المشاعر، وحينما يلتقيان صدفة في أحد الأماكن العامة أو الحفلات الخاصة يتعامل بأدب وتحفظ كمصافحة بين غريبين.

لم تكن هناك فتاة جديدة، لذا لَمْ يجد مبرِّرًا واضحًا لنفوره من الرد على أولفيا. ضبط نفسه بالأمس يقلب في صور فرح، خصوصًا مجموعة من الصور التقطها حينما ذهبوا الصيف الماضي إلى البحر. كبّر صورة تظهر فيها فرح ضمن مجموعة ترتدي المايوه البكيني، أحس بمزيج من الشهوة والخجل مما يفعله. أغلق الصورة وفتح صورة أخرى لها بلا بكيني.

لم يدعمه أحد مثل أحمد وفرح. أحمد هو الذي عرفه على عالم الموسيقى الإلكترونية وعلمه بشكل محترف معنى هندسة الصوت وتصميمها، إلى جانب أثره البالغ في شخصيته خصوصًا في السنوات الأخيرة، لكن رغبة طاغية تقوده ليقلب ويتأمل صور فرح زوجة أحمد وصديقته في الوقت ذاته. مد يده لا إراديًّا ليتحسس قضيبه من فوق الشورت، وحينما انتبه لما يفعل تقزز من نفسه، أغلق ملف الصور، قام من مكانه واتجه للحمام وهو يخلع ملابسه حتى وقف عاريًا تحت الدش البارد ولا يرجو سوى أمنية واحدة أن تبتعد هذه الأفكار عن رأسه، أو يتخلص من إحساس الذنب والطعم العفن للخيانة الذي يشعر به في حلقه.

ثلاث شخصيات رئيسية وشبح أحمد÷ معالجة لصفحة من مسودات رواية “والنمور لحجرتي – أرشيف الكاتب

في صباح اليوم الرابع، أرسلت فرح تخبره أنها ستمر عليه بعد العمل. رد عليها مرحبًا مع “إيموجي” وردة ووجه مبتسم. حاول الاسترخاء وانتظار قدومها، لكن توتره منعه من الاسترخاء، أخذ دوش، حلق ذقنه فبان وجهه الأبيض المستدير، مشط شعره الطويل وربطه بأستك.

خرج من الحمام وحاول الاسترخاء، لم يستطع. رتب غرفته، مسح التراب عن طاولة العمل ومن زوايا الدولاب الخشبيّ، فرش وشاحًا ملونًا فوق الوسائد ليداري البقع الصفراء على قماشها والأخرام التي أحدثتها السجائر. نظف الطبلية، غيّر ملاءة السرير ثم نظر إلى فناجين القهوة المتسخة والأكواب التي نما العفن على بقايا الشاي في قاعها. جمعها كلها وذهب بها إلى المطبخ. غسل الأكواب والفناجين وكذلك كل الأطباق المتراكمة في الحوض. لمح في دولاب المطبخ عددًا من فناجين القهوة الفضية. خمّن بالطبع أن مجدي هو من أحضرها، أخذ اثنين من فناجين الفضة إلى الغرفة، نظف السبرتاية، و.. أكمل كل التفاصيل وأعاد وضع الأنصبة وتغطية ما يعكر صفاء السنتمنتالية.

هذه المرة حينما فتح لها الباب عانقته عناقًا طويلاً، سارت خلفه في الشقة حيث لا تزال ألعاب مجدي متناثرة، عبرا الممر وهي تشكو من الحر. دخلت وجلست على الوسائد الموضوعة على الأرض، أحس بإحباط خفيف لأنها لم تعلق على نظافة وترتيب الغرفة. في الحقيقة هي لم تلاحظ أي اختلاف. أنزلت حقيبتها عن ظهرها، أخرجت أولاً “التي- شيرت” الأبيض. قالت وهي تفرده أمامه أنا غسلته بالكلور وطلعت بقع الدم والبن اللي كانت فيه. تمنى لو لم تفعل ذلك. ثم أخرجت “الهارد ديسك” وقالت “ضع الموسيقى التي طلبتها منك هنا، ولو عندك أفلام”.

ترك المواد تنتقل من جهاز الكمبيوتر إلى الهارد وجلس بجوارها، لم يكن لديه ما يرويه لها، قال إنه فقط لم يخرج من المنزل ولم يقابل أحدًا، سألها عن العمل، أجابت باختصار. صب القهوة. أبدت إعجابها بالفناجين الفضية، لكنه لاحظ غيمة شاردة في وجهها، شيء آخر يشغل بالها، جاثوم يكبس عليها. لم تكن تبتسم وهي ترد الردود الروتينية على أسئلته وتقول “عادي، وماشي الحال”. سألها:

-ألن تخبريني دماء من التي كانت على قميصك؟

تكلمت بهدوء بصوت مسرنم وما هي بمسرنمة.

يومها أنهت عملها في المستشفى وقررت الذهاب إلى المنيل حيث يتمرن أحمد مع الفرقة في الاستديو. في التاكسي علقت في الزحام فوق الكوبري. السيارات متوقفة ولا أحد يعرف السبب. ثم سمعت دوي الرصاص وانطلقت قنابل الغاز. من التاكسي شاهدت مظاهرة ترفع صور الرئيس المدني المنتخب يحرسها من الجانبين شباب يمسكون الهراوات. نظرت خلفها فشاهدت مُظَاهرة أخرى تهتف بسقوط المرشد والشرطة تقف خلفها في تكاسل. سائق التاكسي تلفت مضطربًا وأخذ يبسمل، بينما مظاهرة الرئيس المدني تتقدم نحوهم، شاهدتهم من النافذة، شيوخ وشبان وفتيات محجبات يرفعون صورة الرئيس ويهتفون هتافات متداخلة يقاطعها نفير أبواق السيارات، ثم دوّى الرصاص وانطلقت قنابل الدخان.

هرول متظاهرو الرئيس المدني متراجعين في حين سقطت القنابل من حولهم في التاكسي، أسرعت تغلق النافذة ودويّ الرصاص يعلو، انفجر الزجاج الخلفي للسيارة وسقط عليها. صرخ السائق في هستيريا ثم رأته يفتح الباب ويترك السيارة هاربًا. حافظت على هدوئها، ولفت الشال الذي تحمله معها حول فمها وأنفها، داهمتها رائحة قنابل الغاز. فتحت باب السيارة، وخرجت منها فوجدت نفسها على رصيف المشاة فوق الكوبري الذي تحول إلى ساحة معركة، وتحته في النيل تسير المراكب النيلية مشعة بالأضواء وتنبعث منها موسيقى المهرجانات، وسط دخان القنابل شاهدت مجموعة من الفتيات والفتيان يرقصون في مرح وحب في مركب صاخب بالضوء والموسيقى، تمنت لو كانت معهم لكنها كانت على الكوبري عالقة بين مُظَاهرتين متضادتين.

بدأ الطرفان في تبادل إطلاق النار. أحنت رأسها وتقدمت مخترقة السيارات المتوقفة لكن ما إن تجاوزت سيارتين حتى شاهدت شابًّا لم تنبت لحيته بعد، يحمل ما يشبه البندقية الخرطوش مصنعة يدويًّا، كان مختبئًا بين السيارات متكورًا على نفسه وبندقيته. استغرقها الأمر لحظات لترسم مسارًا تبتعد فيه عنه، لكن شاهدت الشاب ينتصب قائمًا وهو يصرخ “إما النصر أو الشهادة يا ولاد الكلب.. يا ولاد الكلب النصر أو الشهادة”. بووم. سقط أمامها مباشرةً. تيبست فرح مكانها. لم يمت الولد بل سقط على جانبه وتعلقت عيناه بعيني فرح، والدم ينزف من صدره ورقبته، ويخور كعجل مذبوح عاجزًا عن النطق، عاجزًا عن التنفس يختنق في دمائه. شعرت فرح بالحموضة ترتفع من معدتها وتكاد تطرش ما أكلته، لكنها وضعت يدها على فمها، لبثت في مكانها، ونظمت تنفسها حتى لا تتقيأ.

هدأ صوت ضرب النار، وبدأت بعض السيارات على الكوبري تتحرك. احتاجت فرح لدقائق حتى تتجاوز الصدمة. بندقية الفتى تستلقي بجواره، وعيناه تستغيثان بفرح ويده مبسوطة. زحفت باتجاهه، قلبته على ظهره وبدأت تستعيد خطوات الإسعافات الأولية. فحصت صدره وكان هناك أكثر من جرح، لكن الدم ينبثق قانيًا من رقبته، خلعت الشال الذي تلفه حول رقبتها ووضعته على الجرح لإيقاف الدم. ارتعش جسد الصبي رعشات مُتتالية وانتفض جسده، حاولت تهدئته لكن لم يخرج منه إلا الخوار، رفعت رأسها تبحث عن مساعدة، لكن السيارات بدأت تتحرك هاربة من الكوبري. تقدمت المظاهرة المعارضة وهي تهتف. عددهم أكبر من عدد مظاهرة الرئيس المدني المنتخب، صفوفهم الأمامية تهرول يطاردون مظاهرة الرئيس الشرعي المنسحبة.

نظرت حولها، كانت المظاهرة تسير سعيدة. المتظاهرون تغمرهم النشوة الوطنية ووجوهم تشرق بالأمل فرحين بانتصارهم في معركة الكوبري، وتراجع مُظَاهرة الرئيس الشرعي المنتخب أمامهم. لم يلتفت أحد إلى فرح والصبي الذي يموت بين يديها. قبض الولد على يديها كأنما خاف أن يجرفها تيار السعادة الوطنية الثورية وتتركه. أخذت تهدئه وهي تبحث عن أماكن أخرى ينزف منها غير رقبته.

خاطبته: “لا تقلق تنفس على مهلك”.

خاطبت العابرين “هل مع أحدكم ماء؟”

خاطبت السماء.

خاطبت أسفلت الكوبري الذي يفصلها عن ماء النيل.

لم يجاوبها أحد، واستمر اندفاع سيل المظاهرة المنتصرة. جماعات وأفراد يحملون علم مصر ولافتات تسخر من الرئيس، وأخرى من المرشد، وثالثة تدعو إلى الوحدة، ورابعة ترفع شعارات حزبية وطائفية في اندفاعهم يرتطمون بها، بعضهم يتعثر في أعضاء الصبي الجريح، يسقط ثم يقف ويكمل المسيرة. رفاق مسيرة عسيرة وصورة حشد ومواكب في عيون فرح، تنادي عليهم ولا أحد يلتفت. مع تكاثر عدد العابرين أصبحوا يدوسون جثة الصبي، حاولت أن تبعدهم عنها، لكنهم كانوا يتعثرون بها، شاهدت النعال تطأ جرحه النازف وتكمل خطواتها ملوثة بالدماء. صرخت فيهم فظنوا أنها تهتف، حملها شابان من ساقيها وهتفا ورائها “كفاية ابعدوا”، خافت أن يتحرشا بها، ركلتهما، انزلقت من أذرعهما التي تحملها وأصابعهم المحشورة بين ساقيها. تركوها وانصرفوا لثورتهم وهتافهم، بحثت عن جثة الصبي، تلفتت حولها، لم تجدها. حاولت العودة إلى المكان الذي تركته فيها، لكن التيار جرفها بقوة الشعب والجماهير حتى وجدت نفسها وقد عبرت الكوبري ملوثة بالدماء والبكاء والعرق الثوري.

ثلاث طبقات وماضى – معالجة لصفحة من مسودات الفصل الاول من رواية والنمور لحجرتي – من أرشيف الكاتب

حينما انتهت من حكايتها كانت الدموع قد حفرت نهرين على وجنتيها، وتلون أنفها وعيناها باللون الأحمر. في عين نسيم بدت أجمل ما يكون وأضعف ما يكون، أحس ببحر جديد من الانفعالات والمشاعر يعصف به. هذه المرة لم يكن هناك انتصاب، ولا تعذيب ضمير. اقترب منها فارتمت في حضنه، وانفجر شلال البكاء، بين أنفاسها المتقطعة تسب في كل شيء، في البلد، في حياتها، في عملها، في اختياراتها الخطأ، في عائلتها. احتضنها، وتمنى لو يحمل كل هذا الألم عنها، لو يستطيع أن يعيد إليها ضحكتها التي كان يتأملها في صورها الصيفية، لو أن عاصفة ترابية تغرق القاهرة وتنهي العالم ولا يتبقى سواهما.

تمنى لو لم يكن لديهما كل هذا الماضي المتشابك والمعقد، لو كانت لديهما فرصة لبداية جديدة، لمعرفة جديدة ولطرق جديدة، تمنى لو كان المستقبل لا يمكن التنبؤ به، لو لم تشاهد الموت، لو لم يأتِه الحزن، لو لم يكونا في هذا البلد، لو كان البحر لا يزال أزرق.

ثم دوّى رنين نغمة رسائل الموبايل، فابتعدت عنه وقد بللت دموعها قميصه، نظرت في شاشة الموبايل، ثم رمته بعيدًا. في مقلتيها تحجرت الدموع وتوقفت عن البكاء، التفتت إليه:

  • كمان، علشان تكمل.. تقريبًا أنا وأحمد هنتطلق.

دون أن يشعر بنفسه وقعت الكلمة منه:

  • بجد؟ مبروك.

 

 

الفصل الأول من رواية “والنمور لحجرتي.. لم أدع” لأحمد ناجى الصادرة حديثاً عن دار المحروسة