ناتاليا جينزبورج: الفضائل الصغيرة

مقاطع مختارة

مريم الفرجاني ترجمة

أحببت في هذه النصوص أن ناتاليا جينزبورج تبدي راحة مريبة تجاه عجزها عن الإمساك بإجابات واضحة أو مقنعة على الكثير من الأمور؛ الله، الموت، المدينة، فصول السنة، الحب.. وهي تتنقل في كتابها “الفضائل الصغيرة” بين هذه الأفكار.. وفي هوَّة الحيرة بين الخوف من هذه الأفكار والتشبث بها تفشل كل محاولات هروبها، مثلما تفشل كل محاولات بقائها. ترفض ناتاليا كل أشكال المقاومة، وتقدم الاستسلام باعتباره الخيار الأنسب والأقرب إلى الطمأنينة، الاستسلام لكل شيء؛ للسعادة، للحزن، للملل، للحظّ، للنور، وللمجهول.

كتبت ناتاليا جينزبورج “الفضائل الصغيرة” على مدى أربع عشرة سنة، وجمعتها ونشرتها في 1962. والكتاب يحوي إحدى عشرة قصة في نسيج هادئ وشخصي جدًا لمذكرات وخواطر عفوية عن شتاء ما في جنوب إيطاليا، عن علاقتها بزوجها، عن الظلم، عن العلاقات الانسانية، عن الصمت، عن الغربة وعن شكوك كثيرة.. وعنوان الكتاب مستوحى من عنوان أحد القصص؛ قصة تستغرب فيها ناتاليا انشغالنا بصغائر الفضائل بدلاً من كبارها، دون أن تقع في فخ الموعظة. 
حملتني قراءة هذه القصص نحو لوحتين مرفقتين؛ اللوحة الأولى بعنوان “خذ ابنك يا الله” للرسام فورد مادوكس براون، منتصف القرن التاسع عشرـ وفيها زوجة الرسام تحمل ابنهما الميت.. كان موت الأطفال ظاهرة متفشية في العصر الڤيكتوري. وقد تعمَّد الرسام أن تبدو اللوحة غير مكتملة. اللوحة الثانية بعنوان “الزوجان آرنولفيني” للرسام يان فان آيك؛  من القرن الخامس عشر. تتميز اللوحة، التي تعتبر أول توثيق مرسوم لزواج، عن غيرها في ذلك العصر بطريقة جديدة في استخدام الألوان والنور والتركيب، بالإضافة إلى كونها محاولة فريدة لتوثيق زواج شخصين. ملامح الشخصيتين هادئة ودافئة كما لو كانا في رحلة روحانية. شجرة الكرز التي تُرى من النافذة، سلالة الكلب، تفاصيل الملابس وأقمشتها الباهظة، الثريا، السجادة، البرتقال كثمار غالية الثمن آنذاك؛ تفاصيل كثيرة ودقيقة تروي خلفية الشخصيات. وتجمع بين اللوحتين تصورات مختلفة عن الارتباط والفناء والوفاء. تظهر في خلفيتي اللوحتين مرآة محدبة تعكس معظم ما يوجد في الغرفة، بما في ذلك الرسامان،  إذ هنا يتورط الفنان في عمله؛ يتورط كتفصيل جمالي وتقني في تركيب اللوحة بالنسبة ليان فان آيك، أو كشخصية تروي سيرتها الذاتية وتخلِّد وجودها وألمها على اللوحة كما هو حال فورد مادوكس براون. المرآة المحدبة أوسع وأكبر من مجرد انعكاس وجه ينظر إلى نفسه، وتتحول في هاتين اللوحتين إلى وعاء يحتوي الأشخاص والمكان والزمان. مرت ناتاليا جينزبورغ بتجارب فقدت فيها زوجيها وأحد أبنائها وهو لا يزال طفلاً، وعانت من فاشية النظام ومطاردته. ومع ذلك، اختارت أن تروي القسوة بلطف شديد. وهي تتأرجح في هذا النص بليونة كبيرة بين كونها راوية وشخصية، وتورطنا معها في فكرة استعمالها شبه الدائم لضمير الجمع “نحن”، كما لو كنا أمام مرآة محدبة تحتضن الأمس واللحظة.

ناتاليا جينزبورج: كاتبة ومترجمة وسياسية إيطالية، ولدت في باليرمو سنة ١٩١٦. كان أبوها جوزيبي ليفي عالمًا وأستاذًا جامعيًّا يهوديًّا، ما عرَّض عائلتها لملاحقات النظام الفاشي انتهت باعتقال أبيها وأخوتها. بدأت الكتابة في سن الثامنة عشر، وبعد وفاة زوجها الأول تحت التعذيب، نشرت أولى وأهم رواياتها سنة ١٩٤٧. وإثر وفاة زوجها الثاني، بدأت سنوات النضال السياسي، وانتخبت لاحقًا في البرلمان كممثلة للحزب الشيوعي الإيطالي. اهتمت جينزبورغ بالكتابة عن الفن والثقافة، وتعتبر بعض مقالاتها في نقد سينما إنجمار برجمان مرجعًا. كما ترجمت روايات ومسرحيات لكتاب مهمين؛ مثل مارجريت دوراس ومارسيل بروست وجي دو موباسان.

1

ذات يوم نلتقي الشخص المثالي، ولكننا لا ندرك ذلك. نتمشى مع الشخص المثالي على أرصفة الضواحي، نعتاد رويدًا رويدًا على المشي معًا. أحيانًا، وسهوًا، نتساءل إن كنا ربما نتمشى مع الشخص المثالي، ثم نقول “لا”. نحن هادئون جدًا، الأرض والسماء لم يتغيّرا. الدقائق والساعات تسيل بهدوء، دون ضربات عميقة لقلوبنا. أخطأنا مرات كثيرة قبل ذلك، وظننا أننا مع الشخص المثالي، ولم يكن الأمر كذلك، وفي حضور الأشخاص غير المثاليين حمَلَنا صخبٌ عنيف إلى حدّ لم يترك لنا قوة للتفكير. كما لو كنا نعيش في مدن تحترق. الأشجار والبيوت والأشياء تشتعل حولنا، وفجأة تنطفئ النار ولا يتبقى سوى بعض الرماد الدافئ. المدن المحترقة وراءنا كثيرة، أكثر من قدرتنا على تعدادها. حاليًا لا شيء يحترق حولنا. لمدة أسابيع، وشهور، نقضي أيامنا مع الشخص المثالي دون أن نعلم ذلك. أحيانًا فقط عندما نكون وحيدين، نفكر في هذا الشخص. خطوط شفتيه، بعض حركاته، صوته. عندما نفكر يهتز القلب هزة طفيفة، ولكننا لا ننتبه لهزة صغيرة كهذه، صمّاء. الشيء الغريب مع هذا الشخص أننا نحس بالراحة والهدوء، نتنفس بسهولة، الجبين دائم الانقباض، والظلام يدوم لسنوات كثيرة، فجأةً ينشرح، ولا نكلّ أبدًا من الكلام والاستماع. نلاحظ أنه لم يكن لنا علاقة كهذه مع أي انسان آخر. فجأة نظن كل البشر مسالمين جدًا، بسطاء جدًا، ضئيلي الحجم جدًا، بينما يمشي هذا الشخص بجانبنا، بخطوة مختلفة عنا، بوجهه الصارم، يملك القدرة المطلقة على أن يتسبب لنا في كل الخير وفي كل الشر. ومع ذلك نكون في قمة الهدوء، ونغادر بيتنا لنعيش مع هذا الشخص للأبد، لا لاقتناعنا بأنه الشخص المثالي، بل على العكس، لسنا مقتنعين بذلك البتة. نحن دائمًا في شك من أن الشخص المناسب لنا يختبئ في مكان ما في المدينة، ونعلم أين، ولكن لا، لا نريد أن نعلم أين يختبئ، ونشعر بأنه ليس لدينا الكثير لنقوله له، ربما لأننا نقول كل شيء لذلك الشخص غير المثالي الذي نعيش معه الآن، ونريد أن نتلقى خير حياتنا وشرها من هذا الشخص ومعه. وأحيانًا، تنفجر بيننا وبين هذا الشخص خلافات عنيفة لا تقدر رغم كل شيء على كسر هذا السلام اللامتناهي داخلنا. فقط بعد سنين كثيرة، بعد سنين كثيرة، بعد أن يُحاك بيننا وبين هذا الشخص نسيج ضيق من العادات، من الذكريات، ومن الخلافات العنيفة، ندرك أخيرًا أنه كان الشخص المناسب لنا، أنه لم يكن بوسعنا أن نتحمل غيره، ومنه فقط نستطيع أن نطلب كل ما يحتاجه القلب.

الآن في البيت الجديد حيث أتينا لنعيش، في بيتنا، لا نريد الفقر. أو بالأحرى، يتملكنا خوف طفيف من الفقر: نحس بعاطفة غريبة تجاه الأشياء التي تحيط بنا، تجاه طاولة أو تجاه سجادة. نحن الذين لطالما سكبنا الحبر على سجادات آبائنا، تثير فينا هذه العاطفة الجديدة تجاه السجادة القليل من القلق، القليل من العار. نتمشى مرات أخرى في طرقات الضواحي، ولكن عندما نعود إلى البيت ننظف بعناية كعوب أحذيتنا المشوبة بالوحل. ونحس بلذة جديدة عند الجلوس في البيت، تحت الثُريّا، والنوافذ موصدة على المدينة المظلمة. لا رغبة كبيرة لنا بالأصدقاء، لأننا نروي كل أفكارنا للشخص الذي يعيش معنا، بينما نحتسي معًا شوربة الخضار على الطاولة المضاءة، ويبدو لنا أنه لم يعد هناك جدوى من رواية أي شيء للآخرين. 

لوحة “الزوجان آرنولفيني” للرسام يان فان آيك؛ القرن الخامس عشر

2

 يولد الأبناء، ويكبر فينا الخوف من الفقر: تكبر فينا بالأحرى مخاوف لامتناهية، من أي خطر محتمل قد يضرب أبنائنا في لحمهم الفاني. نفس لحمنا، جسدنا، لم نشعر أبدًا مسبقًا بهشاشته وفنائه: كنا مستعدين للاندفاع في مغامرات مفاجئة، دائمي الاستعداد للرحيل لأبعد الأماكن، بين المجاذيب وآكلي اللحوم: لا نبالي بأي احتمال حرب، أو جائحة، أو كوارث كونية.
لا نعلم أن جسدنا يحمل كل هذا الخوف والهشاشة. لم نتصور قط أن نشعر بهذا التشبث بالحياة بسبب عائق من خوف وحنين عاصف.
كم كانت قوية وحرة خطواتنا عندما كنا نتمشى وحيدين، نحو اللانهاية، في المدينة.
كنا ننظر بشفقة إلى العائلات، الآباء والأمهات الذين يتمشون يوم الأحد على مهل بعربات الأطفال في الشوارع؛ كان ذلك يبدو مملاً وحزينًا. الآن نحن إحدى هذه العائلات، نتمشى على مهل في الشوارع، دافعين بعربة الأطفال؛ لسنا حزينين، بل سعداء، سعادة صعبة الملامح في خضم الرعب الذي يتملكنا في احتمال خسارتها في أي لحظة إلى الأبد؛ الطفل الذي في العربة صغير جدًا، ضعيف جدًا، والحب الذي يربطنا به مؤلم جدًا، خائف جدًا!
نخشى هبة ريح، سحابة في السماء: هل ستمطر؟ نحن الذي غمرتنا أمطار كثيرة، برؤوس عارية، وأقدام في البرك! الآن نمتلك مظلة. وبودنا أن يكون لنا حامل مظلات، في البيت، في بهو المدخل. تأخذنا أغرب الرغبات التي لم تخطر البتة على بالنا عندما كنا نمشي وحيدين أحرارًا بالمدينة.
نريد حامل مظلات، مشاجب، ملاءات، مناشف، فرنًا من الحجر، درج تجميد في الثلاجة. لم نعد نبحث عن الضاحية، نسلك الشوارع بين البيوت والحدائق، ننتبه للأطفال كي لا يقترب أشخاص قذرون أو فقراء، خوفًا من القمل والأمراض، نتجنب المتسولين. ونحب أطفالنا بشكل مؤلم جدًا وخائف جدًا، كما لو كنا غير قادرين على إنجاب غيرهم.

لوحة “خذ ابنك يا الله” للرسام فورد مادوكس براون، منتصف القرن التاسع عشر

3

أين يوجد من يلينا؟ أين هو الله الآن؟ الله، نحن نذكر مخاطبته فقط عندما يمرض ابننا: نطلب منه أن يسقِط كل أسناننا، كل شعرنا، في سبيل أن يشفى ابننا. حالما يشفى ابننا، ننسى الله: لا زلنا نملك أسنانًا وشعرًا، ونعود إلى أفكارنا الخاملة والمتعبة: المسامير الصدئة، الصراصير، الحقول الصغيرة الطازجة، عصائد الدقيق.
أصبحنا أيضًا مؤمنين بالخرافات: نؤدي طقوسًا لإبعاد اللعنات: ها نحن جالسون نعمل ونكتب، وفجأة، نشعل الضوء ونطفئه ثلاث مرات، لأننا نعتقد فجأة أن هذا فقط ما سينقذنا من الخيبة. نرفض الألم؛ وحين نحس بقدومه نختبئ وراء المقاعد، وراء الستائر، كي لا يجدنا أحد.