أين مخطوط الرواية؟

محمد شُعير محمد شُعير

في عام 1962 وصل إلى القاهرة الشاب فيليب ستيورت، المولود في لندن عام 1939، والذي يدرس العربية في جامعة أكسفورد.
كان مطلوبًا منه اختيار رواية لترجمتها، وكتابة بحثه للتخرج. لم تكن الترجمة بهدف النشر، بل هي مجرد ترجمة تجريبية بهدف التخرج. نصحه أحد المحامين الأجانب فى مصر بأن يعمل على ترجمة رواية ” أولاد حارتنا”.
كانت الترجمة بالنسبة له أسهل من العمل على بحث طويل ومرهق، خاصة أن الفترة المتاحة له لا تتجاوز الستة شهور.
حصل ستيورت على نسخة من الرواية كما نشرت فى الأهرام مسلسلة، والتقى نجيب محفوظ مرات عديدة لبحث ما استغلق عليه من الرواية، أو ما سقط من جمل وعبارات من طبعة الأهرام.

الإيمان مكتوب في رواية

 

عندما سأل ستيورت محفوظ عن مخطوط الرواية أجابه: ” الأهرام لم تعد المخطوط الأصلي للرواية، فاستنتجت ضياعه، فلم أسأل عنه”. في أثناء الترجمة، طرح فيليب العديد من القضايا على محفوظ، حاول مناقشته في تصوراته الدينية والفنية. سأله محفوظ: ماذا في الروية يثير غضب الرأي العام؟ طرح فيليب ثلاث قضايا: تجسيد الأنبياء روائيًا، موت الجبلاوي في الرواية وكأنه تمثيل لموت الإله، وأخيرًا محاكاة القرآن على اعتبار أن الرواية تنقسم إلى 114 فصلًا (عدد سور القرآن). محفوظ قال لمترجمه عندما سرد له الاعتراضات ضاحكًا: “أعوذ بالله”، سأوضح لك الأمر. قال: ” الرواية بالمقدمة 115 فصلًا، هذا تقسيم، لم يكن في ذهني في أثناء الكتابة، كان في ذهني أن تكون الرواية من خمسة فصول رئيسية، أما التقسيم داخل الفصول فتمّ بعد أن انتهيتُ من الرواية، أرقام لمجرد تسهيل القراءة ليس إلا، وسور القرآن تحمل أسماء لا أرقام، كما أنها متفاوتة الطول”، يضيف محفوظ:”أما ما يتعلق بفكرة تجسيد الأنبياء، هو أمر مرفوض من معظم رجال الدين، وفي كل الأديان، وقد تعرض كازنتزاكس لهجوم شديد بسبب روايته “المسيح يصلب من جديد”. هم لا يريدون أن يتصوروا أن الأنبياء بشر مثلنا، يأكلون ويشربون، وردي عليهم من القرآن: “وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق”.

رغم ذلك أنا لم أكن أقصد الأنبياء في روايتي، قاسم ليس هو النبي محمد، هو شاب ينتمي إلى قاهرة القرن التاسع عشر، ليس شابًا من مكة ينتمي إلى القرن السابع”. يضيف محفوظ: أما ما يتعلق بالجبلاوي، فالماركسيون هم الذين تصوروا في نقدهم أنني أدعو إلى موت الإله. الجبلاوي ليس هو الله المطلق الخالد، وإنما هو الإله في أذهان بعض البشر. لا يمكن أن يمثل الله شيئًا لأنه ليس كمثله شيء”. أضاف محفوظ: “عندما انتهيتُ من الرواية شعرت أنني وجدت إيماني”.

تعددت النقاشات طوال أيام الترجمة، وفي كل لقاء يكشف محفوظ بعضًا من مصادر إلهامه. قال محفوظ إنه تأثر في الرواية بجورج برنارد شو تحديدًا في مسرحيته ” العودة إلى متوشولح”، التي تتضمن خمسة فصول عن تاريخ البشرية: ” إنه الكتاب الغربي الوحيد الذي يمكن إقامة علاقة بينه وبين أولاد حارتنا”.

صوفي وملحد في آن

 

فى عام 1981 صدرت ترجمة في طبعة أكاديمية محدودة وفقيرة. لم تبَع من الترجمة الإنجليزية للرواية سوي 400 نسخة طوال ثماني سنوات حتى حصول محفوظ على جائزة نوبل.

عندما طلب منه نشر الترجمة مرة أخرى قام بمقارنة نسخة الأهرام، وطبعة دار الآداب، ليجد 961 اختلافًا بين النص الذي نشرته الأهرام ونص الرواية الصادر عن دار الآداب، وهي تمثل ما يقرب من 1241 كلمة ناقصة بخلاف آلاف الاختلافات في علامات الترقيم. استنتج ستيورت أن طبعة دار الآداب اعتمدت علي المخطوط الأصلي:”ربما باعه أحد من الأهرام لدار الآداب”، حسبما يقول.

طبعة الأهرام بها العديد من الكلمات التي سقطت فى أثناء عملية الكتابة، كما أن طبعة الآداب بها فقرات كاملة محذوفة. النصان غير مكتملَين. محفوظ أبدى غضبه من طبعة دار الآداب، “ناقصة. ولم أشارك في مراجعتها” حسبما قال.

الترجمة الإنجليزية قد تكون هي النص الوحيد المكتمل للرواية بعد مقارنتها بالنصَين، فضلًا عن مراجعة محفوظ بنفسه، ومساعداته في الترجمة التى وصفها محفوظ فى رسالة إلى المترجم:” إنك جدير بكل شكر، أولًا لترجمتك الرواية بأسلوب شهد له كل من قرأه بالجودة والجمال، وثانيًا بكتابة هذا المقال الجيد”. المقال الذي كتبه ستيورت قرأه محفوظ وأعجب به، وقال فى الرسالة: وجدتُ فيها حلًا موفقًا بين من اتهموا روايتي بالإلحاد ومن وصفوها بأنها عمل صوفي. وأعجبنى كذلك متابعتك لأصلها عند برنارد شو، وهذا يتفق مع إعجابي به وبعمله الكبير”الرجوع إلى متوشولح” بصفة خاصة. ولعل الدكتور (محمد) مندور كان الناقد الوحيد الذي ألمح إلى مثل هذه الفكرة عندما قال عني أنني نقلتُ فكرة تقليدية عن الله دون تعرض لله ذاته”.

الحوار مع ستيورت يطرح السؤال أين ذهب مخطوط الرواية الأصلي؟

سألتُ رنا إدريس ابنه الكاتب سهيل إدريس صاحب دار الآداب الذي نشر الرواية، فأحالتني إلى والدتها عايدة إدريس، التي شهدت نشر الرواية فى الدار: “الرواية نُشرت من تجميع الدكتور سهيل إدريس لما نُشر في جريدة الأهرام، وبموافقة نجيب محفوظ الذي رفض التوقيع على عقد، إلا أننا نملك جميع الإيصالات الموقعة من قِبله بأنه استلم حقوقه كاملة من دار الآداب منذ الطبعة الأولى”.

أبو السعود إبراهيم رئيس قسم المعلومات والأبحاث بالأهرام الأسبق، التحق بالعمل فى “الأهرام” عام 1965 أي بعد نشر “أولاد حارتنا” بحوالي ست سنوات كاملة، لكن طوال فترة عمله بالأرشيف لم تمر عليه أي مخطوطات لروايات نجيب محفوظ: “عادة كانت الأصول تذهب إلى قسم التصحيح، ثم إلى صاحب العمل نفسه ليراجع المراجعة النهائية، ولم يحدث أن جاءت روايات محفوظ إلى قسم المعلومات طوال فترة عملي”.

أبوالسعود قام أيضًا بتصنيف مكتبة الأستاذ هيكل ووثائقه، وعلى خبرة ومعرفة كبيرة بما تضمه المكتبة من وثائق ومراجع يؤكد: “أكاد أجزم أن مكتبة الأستاذ هيكل لا تتضمن أي أصول لروايات محفوظ التي نشرت أثناء رئاسة الأستاذ للأهرام”.

الفنان جميل شفيق أحد أقدم أعضاء شلة الحرافيش نفى أيضًا أن يكون محفوظ قد أطلعهم على أعماله المخطوطة قبل نشرها، أو تحدث فى أي مرة عن مخطوطاته:”كان لديه أسراره الخاصة التي يحرص عليها”، سألتُه: “هل تضمنت مكتبة الراحل عادل كامل أي مخطوطات لمحفوظ؟”، أجاب: “بعد أن قرر عادل كامل الهجرة، كتب لي توكيلًا خاصًا للتصرف فى أعماله، وقد حصلت بموجب هذا التوكيل على كل مخطوطات صاحب “مليم الأكبر”، وقد طلبها مني الروائى سليمان فياض ومنحته إياها، وكان من بينها رواية كاملة غير منشورة بعنوان”الله والجسد والشيطان”، لكن لم يكن من بين أوراق كامل أي مخطوطات لمحفوظ”.

تعليق واحد

  • Abd Elhmid Ali

    مجهود رائع

    January 21, 2017

انشر تعليقك